مس المصحف لغير المتوضئ والجنب والحائض

السؤال
يقع السؤال كثيراً عن حكم مسّ المصحف لغير المتوضئ أو الجنب أو الحائض والنفساء؟
الإجابة
أقول وبالله التوفيق: إن حرمة مسّ المصحف لهؤلاء من المسائل التي أجمع عليها فقهاؤنا في مذاهبنا الفقهية المعتمدة، كما نص على ذلك كبار العلماء المحتج بقولهم، وإليك بعض أقولهم: قال الحافظ ابن عبد البر المالكي في الاستذكار 2: 472: « أجمع فقهاء الأمصار الذين تدور عليهم الفتوى، وعلى أصحابهم بأن المصحف لا يمسه إلا الطاهر، وهو قول مالك والشافعي وأبي حنيفة وأصحابهم والثوري والأوزاعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبي ثور وأبي عبيد وهؤلاء أئمة الرأي والحديث في أعصارهم، وروى ذلك عن سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمر وطاوس والحسن والشعبي والقاسم بن محمد وعطاء، وهؤلاء من أئمة التابعين بالمدينة ومكة واليمن والكوفة والبصرة». وقال الإمام ابن قدامة المقدسي الحنبلي في المغني 1:168: «ولا يمس المصحف إلا طاهر: يعني طاهراً من الحدثين جميعاً، روي هذا عن ابن عمر والحسن وطاوس والشعبي والقاسم بن محمد وهو قول مالك والشافعي وأصحاب الرأي، ولا نعلم مخالفاً لهم إلا دواد». وقال العلامة ابن تيمية الحنبلي في الفتاوى الكبرى 1: 282: « مسألة: هل يجوز مس المصحف بغير وضوء أم لا ؟ الجواب: مذهب الأئمة الأربعة: أنه لا يمس إلا طاهر، كما قال في الكتاب الذي كتبه رسول الله  لعمرو بن حزم : «إنه لا يمس القرآن إلا طاهر»، قال الإمام أحمد: لا شك أن النبي  كتبه له، وهو أيضاً قول سلمان الفارسي وعبد الله بن عمر وغيرهما، ولا يعلم لهما من الصحابة مخالف». وقال الإمام النووي الشافعي في المجموع 2: 86: «مس المصحف وحمله: مذهبنا تحريمهما، وبه قال أبو حنيفة ومالك وأحمد وجمهور العلماء...». وفي الموسوعة الفقهية الكويتية 17: 127، 18: 323: «لا يجوز للمحدث مس المصحف كله أو بعضه عند فقهاء المذاهب الأربعة». ومن مستند هذا الإجماع عند أئمتنا الأجلاء ما يلي: 1. قال :{إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ. فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ. لا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ. تَنْزيلٌ مِنْ رَبِّ العَالمين } [الواقعة 77-80]، قال الإمام النووي الشافعي في المجموع 2: 86: فوصفه بالتنزيل، وهذا ظاهر في المصحف الذي عندنا، فإن قالوا: المراد اللوح المحفوظ لا يمسه إلا الملائكة المطهرون... فالجواب: إن قوله تعالى:{تَنْزيلٌ} ظاهر في إرادة القرآن لا يحمل على غيره إلا بدليل صحيح صريح... وهو قول علي وسعد ابن أبي وقاص وابن عمر  ولم يعرف لهم مخالف في الصحابة. 2. قال :{كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ. فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ. فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ. مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ. بِأَيْدِي سَفَرَةٍ. كِرَامٍ بَرَرَةٍ}[عبس:11-16]. قال الحافظ ابن كثير في تفسيره 4: 156: « استنبط العلماء  من هاتين الآيتين ـ أي آيات الواقعة وعبس ـ أن المحدث لا يمس المصحف كما ورد به الحديث إن صح؛ لأن الملائكة يعظمون المصاحف المشتملة على القرآن في الملأ الأعلى فأهل الأرض بذلك أولى وأحرى؛ لأنه نزل عليهم وخطابه متوجّه إليهم، فهم أحق أن يقابلوه بالإكرام والتعظيم والانقياد له بالقبول والتسليم؛ لقوله :{وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ}[الزخرف:4]». قال الإمام مالك : « أحسن ما سمعت في هذه الآية:{لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} [الواقعة:79] إنما هي بمنزلة هذه الآية التي في عبس وتلى قول الله تبارك وتعالى:{كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ، فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ، فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ، مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ، بِأَيْدِي سَفَرَةٍ، كِرَامٍ بَرَرَةٍ} عبس:11-16»، ينظر: الموطأ1: 199، والدر المنثور 8: 27 3. قال :{وَلا جُنُباً إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا}[النساء: 43]، قال الإمام القرطبي في تفسيره 5: 199: « إذا كان لا يجوز له اللبث في المسجد، فأحرى ألا يجوز له مسّ المصحف ولا القراءة فيه إذ هو أعظم حرمة». 4.عن ابن عمر ، قال : (لا يمس القرآن إلا طاهر) في سنن البيقهي الكبير1: 88، وسنن الدارقطني1: 121، قال الهيثمي في مجمع الزوائد 1: 276: « رواه الطبراني في الكبير والصغير ورجاله موثقون». 5.عن حكيم بن حزام  قال: لما بعثني رسول الله  إلى اليمن قال: (لا تمس القرآن إلا وأنت طاهر) [في المستدرك 3: 552، وقال: «حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه»، والمعجم الأوسط 3: 327، والمعجم الكبير : 205، 12: 313، والمعجم الصغير 2: 277، والمراسيل لأبي داود ص122، وسنن الدارمي 2: 214، والموطأ 1: 199، وفي رواية: (إلا على طهر) في مصنف عبد الرزاق 1: 341. قال العلامة الدكتور نور الدين عتر في إعلام الأنام 1: 221: دل الحديث على أنه يحرم على من لم يكن طاهراً أن يمس المصحف وقد اتفق على ذلك جمهور العلماء من عهد الصحابة  فمَن بعدهم، وقال به الأئمة الأربعة وغيرهم. وذهب داود الظاهري وابن حزم إلى أنه يجوز للمحدث حدثاً أصغر أو أكبر أن يمس المصحف وأخذ بقوله هذا بعض من يزعم الاجتهاد... وليس لهما من دليل في شذوذهما هذا إلا الاستناد إلى البراءة الأصلية، وأن الأصل في الأشياء الإباحة، فاستندا إلى ذلك واكتفيا بنقد أدلة أئمة الإسلام، ومعلوم أن البراءة الأصلية ليست قوية، بل إنه يصلح معارضتها بأي دليل صحيح، وهذا دليل أئمة العلم يعارضها، ودلالتها صحيحة قوية لا يرتقي إليها الطعن». 6. عن المغيرة بن شعبة  قال: قال عثمان بن أبي العاص ـ وكان شاباً ـ: وفدنا على رسول الله  فوجدوني أفضلهم أخذاً للقرآن وقد فضلتهم بسورة البقرة فقال النبي : (قد أمرتك على أصحابك وأنت أصغرهم ولا تمس القرآن إلا وأنت طاهر) في المعجم الكبير 9: 44، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد 1: 277: « رواه الطبراني في الكبير في جملة فيما تجب فيه الزكاة وفيه إسماعيل بن رافع ضعفه يحيى بن معين والنسائي وقال البخاري: ثقة مقارب الحديث». 7. عن عبد الرحمن بن زيد  قال: « كنا مع سلمان  فانطلق إلى حاجة فتوارى عنا فخرج إلينا فقلنا: لو توضأت فسألناك عن أشياء من القرآن، فقال: سلوني فإني لست أمسّه إنما يمسه المطهرون، ثم تلا: {لا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ}». قال الحافظ السيوطي في الدر المنثور 8: 27: « أخرجه سعيد بن منصور وابن أبي شيبة في المصنف وابن المنذر والحاكم وصححه». 8. قال ملك العلماء الكاساني في بدائع الصنائع 1: 33: « إن تعظيم القرآن واجب ، وليس من التعظيم مس المصحف بيد حلها حدث». ومن أراد الإطلاع على تفصيل الكلام في الأحاديث والآثار الواردة في ذلك فليراجع نصب الراية 1: 281-282، والدر المنثور 8: 27، وإعلام المبيح الخائض بتحريم القرآن على الجنب والحائض 1: 73، وغيرها، فإن المقام هنا لا يتسع لذلك. وبناءً على ما سبق فعند سادتنا الحنفية يحرم مسّ المصحف في الجنابة والحيض والنفاس والحدث الأصغر إلا بغلاف متجاف ـ أي منفصلٍ عنه ـ ويكره تحريماً اللَّمْسُ بالكُمّ على الصحيح؛ لأنه تابع للماس، فاللمس به لمس بيده، كما في فتح القدير 1: 149 ، والوقاية ص126، وغيرها. وكذلك يكره لمس لوح أو درهم عليه آية من القرآن إلا إذا كان الدرهم في صرة: أي ما يجعل فيها الدراهم، وتكون من غير ثيابه التابعة له، كما في رد المحتار 1: 117 ، وشرح الوقاية ص126، وذخر المتأهلين ص143، وغيرها. ويجوز له أن يقرأ القرآن عن ظهر أو عن مصحف إذا قلب أوراقه بقلم أو غيره، كما في عمدة الرعاية 1: 131. وعند فقهائنا المالكية ففي التاج والإكليل 1: 442: لا يجوز مس مصحف وإن بقضيب وحمله وإن بعلاقة أو وسادة إلا بأمتعة قصدت وإن على كافر، قال مالك : لا يحمل المصحف غير متوضئ لا على وسادة ولا بعلاقة إلا أن يكون في تابوت أو خرج أو نحو ذلك فيجوز أن يحمله غير متوضئ أو يهودي أو نصراني لأن الذي يحمل المصحف على وسادة أراد حملانه لا حملان ما سواه. وفي الموسوعة الفقهية الكويتية 16: 241: « اتفق الفقهاء على أنه يحرم بالحدث مس المصحف بلا حائل ... واختلفوا في مسه بحائل، كغلاف أو كمّ أو نحوهما. فالمالكية والشافعية يقولون بالتحريم مطلقا ولو كان بحائل. وقال الشافعية: ولو كان الحائل ثخيناً، حيث يعد ماساً عرفا. وصرح المالكية بحرمة مس المصحف وإن مسه بقضيب ونحوه وكذلك مس جلد المصحف وحمله وإن بعلاقة أو وسادة إلا بأمتعة قصد حملها. والصحيح عند الحنابلة جواز مس المصحف للمحدث بحائل مما لا يتبعه في البيع ككيس وكم؛ لأن النهي إنما ورد عن مسه، ومع الحائل إنما يكون المس للحائل دون المصحف. ومثله ما عند الحنفية حيث فرقوا بين الحائل المنفصل والمتصل فقالوا: يحرم مس المصحف للمحدث إلا بغلاف متجاف ـ أي غير مخيط ـ أو بصرة . والمراد بالغلاف ما كان منفصلا كالخريطة ونحوها؛ لأن المتصل بالمصحف منه، وعلى ذلك الفتوى». والله أعلم.
imam icon

أرسل سؤالك إلى المساعد الذكي

إذا لم تكن الإجابات السابقة مناسبة، يرجى إرسال سؤالك إلى المفتي عبر