الإجابة
إن كان الحق متعلقاً بعين وجهالة غير مفضية للنزاع وهو محفوظ عن الضياع يجوز بيعه عند الحنفية، فالمنع لم يكن لذاته، وإنما لأسباب متعلقة به من الجهالة وعدم الحفظ والعرف، وهذا المعاني أينما وجدت فإنها مؤثرة في إفساد العقد سواء كان في بيع أو إجارة، ولما كانت هاهنا ظاهرة قالوا: بعدم جواز الاعتياض عن الحقوق المجردة، قال ابنُ نُجيم في الأشباه1: 178: «الحقوق المجردة لا يجوز الاعتياض عنها»، وهذا كلُّه من جهة القياس، فإن تغيَّر الحال بما ذُكر استحسن الجواز.
قال شيخنا العثماني في بحوث في قضايا فقهية معاصرة 1: 100: «بيع ... حق الانتفاع بالأعيان جائز عند الأئمة الثلاثة الحجازيين، وإنما منع الحنفية، فقالوا: لا يجوز الاعتياض عن الحقوق المجردة، ولكن هذا الحكم عندهم ليس بهذا العموم الذي يتوهم من لفظه، بل استثنى منه الفقهاء بعض الحقوق التي تتعلق بالأعيان، وإن للعرف مجالاً في إدراج بعض الأشياء في الأموال، فإن المالية كما يقول ابن عابدين، تثبت بتمول الناس، فلو كانت بعض الحقوق تعتبر في العرف أموالاً متقومة، وتعامل بها الناس تعامل الأموال، ينبغي أن يجوز بيعها عندهم أيضا بشروطها».
إذن علينا أن نتعاملَ مع الحقوق المجردة كما تعاملنا مع المال والمنافع، فالمالُ لا يكون مالاً إلا بالانتفاع به، والانتفاعُ مرجعُه للعُرف، فالأعيان المنتفع بها عرفاً كانت أموالاً، وهذا معنى التعريف السابق: المبذول المنتفع به، فكانت الميتة والنجاسة أحياناً مالاً إن انتفع بها وكانت مرغوبة، وأحياناً أخرى ليست بمال؛ لعدم الانتفاع والاستقذار منها، ولذلك دارت المالية في الأعيان على الانتفاع العرفي، بحيث تصبح مرغوبة أو لا.
والأصل في المنافع عدم الجواز، وهو القياس؛ لأنها أمورٌ معدومة؛ لأنها أعراض، وتوجد لحظة فلحظة، فلا تجوز فيما لم يتعارف الناس عليه، قال الكاساني في البدائع4: 174: «والقياس لا تجوز؛ لأن الإجارة بيع المنفعة والمنافع للحال معدومة، والمعدوم لا يحتمل البيع فلا يجوز إضافة البيع إلى ما يؤخذ في المستقبل كإضافة البيع إلى أعيان تؤخذ في المستقبل، فإذا لا سبيل إلى تجويزها لا باعتبار الحال، ولا باعتبار المآل فلا جواز لها رأسا، لكنا استحسنا الجواز ... لحاجة الناس كالسلم ونحوه.
تحقيقه: أن الشرع شرع لكلِّ حاجةٍ عقداً يختصّ بها، فشرع لتمليك العين بعوض عقداً وهو البيع، وشرع لتمليكها بغير عوض عقداً وهو الهبة، وشرع لتمليك المنفعة بغير عوض عقداً وهو الإعارة، فلو لم يشرع الإجارة مع امتساس الحاجة إليها لم يجد العبد لدفع هذه الحاجة سبيلاً، وهذا خلاف موضوع الشرع».