لبس المرأة الثياب الضيقة أمام محارمها

السؤال
يكثر السؤال عن لبس الفتاة البنطال وغيره من الملابس الضيقة بين المحارم من الأخوة وغيرهم، فما حكمها؟
الإجابة
أقول وبالله التوفيق: إن من رحمة الله  علينا أنه لم تكن العلاقة بين الرجال والنساء مبنية على رغبة كل منهما بالآخر فحسب، بل استثنى بعضاً منها، وجعل العلاقة فيما بينهما مرتكزة على المودة والرحمة والشفقة، ولولا ذلك لاستحالت الحياة وانعدم الاطمئنان فيها؛ لذلك حرم الشارع الكريم قسماً من النساء كما في قوله : {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ}[النساء:23]. وهذه المحرمات أبيح للنظر منها ما لم يبح من النظر للأجنبية فأباح  رؤية رأسها ووجهها وصدرها وساقها وعضدها؛ لقوله : {وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ...}[النور: من الآية31]؛ إذ أنه أباح النظر إلى موضع الزينة الظاهرة والباطنة، ولم يرد به عين الزينة، فإنها تباع في الأسواق، ويراها الأجانب. ولكن هذه الإباحة مقيدة بالأمن من الشهوة، وإلا لم يجز النظر إلى هذه المواضع بشهوة، أما ما عداها من الظهر والبطن والفخذ فلا يجوز رؤيتها بشهوة أو غيرها؛ لأنها عورة عليهم، ولو لم يُبْح النظر إلى ما سبق عند أمن الشهوة لوقع الناس في حرج كبير؛ لأن المحارم يدخلون على بعضهم البعض من غير استئذان ولا حشمة، والمرأة في بيتها تكون في ثياب مهنتها عادة، ولا تكون مستترة، فلو أمرها بالتستر من ذوي المحارم لأدى إلى حرج عظيم، كما في المبسوط 10: 150، وذخيرة العقبى ص578، والهداية 10: 33، والبحر الرائق 8: 220. وهذه الثياب البيتية ساترة لعورة المرأة أمام محارمها إن كانت صفيقةـ أي ثخينةـ لا تلتزق ببدها فلا بأس بها؛ لأن المنظور إليه الثوب دون البدن ما لم يكن النظر بشهوة، أما إن كانت ثوبها رقيقاً يصف ما تحته ويشف أو كان صفيقاً لكنه ملتزق ببدنها حتى يستبين له جسدها، فلا يحل لبسها أمام المحارم ولا النظر إليها؛ لأنها إذا استبان جسدها كانت كاسية صورة عارية حقيقة؛ لأن هذا الثوب من حيث أنه لا يسترها بمنزلة شبكة عليها، بخلاف ما يسترها فإنه نظره إليها كالنظر إلى خيمة فيها امرأة، ومتى كان يصف يكون ناظراً إلى أعضائها[ كما في البدائع 5: 123، ورد المحتار 6: 372، والفتاوى الهندية 5: 329، والتبيين 6: 17]. ومن الأدلة على ذلك: 1.قال النبي : (صنفان من أهل النار لم أرهما، قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات مميلات مائلات رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنّة ولا يجدن ريحها وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا) في صحيح مسلم 3: 1680. 2.عن عبد الله بن عمرو ، قال : (سيكون في آخر أمتي رجال يركبون على سروج كأشباه الرحال ينزلون على أبواب المساجد، نساؤهم كاسيات عاريات على رؤوسهم كأسنمة البخت، العنوهن فإنهن ملعونات) في المستدرك 4: 483، وصححه، والمعجم الصغير 9: 131، ومسند أحمد 2: 223، والمعجم الصغير 2: 257، وموارد الظمآن 1: 351، قال الهيثمي في مجمع الزوائد 5: 137: رجال أحمد رجال الصحيح. 3.عن زيد بن ثابت  قال: (كساني رسول الله  قبطية كثيفة كانت ممّا أهداها دحية الكلبي فكسوتها امرأتي، فقال لي رسول الله : مالك لم تلبس القبطية، قلت يا رسول الله: كسوتها امرأتي، فقال لي رسول الله : مرها فلتجعل تحتها غلالة إنى أخاف أن تصف حجم عظامها) في مسند أحمد 5: 205، ومسند البزار 7: 30، والطبقات الكبرى 4: 65، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد 5: 137: « فيه عبد الله بن محمد بن عقيل وحديثه حسن وفيه ضعف وبقية رجاله ثقات». 4.عن عائشة رضي الله عنها: (أن أسماء بنت أبي بكر دخلت على رسول الله  وعليها ثياب رقاق، فأعرض عنها رسول الله ، وقال: يا أسماء إن المرأة إذ بلغت المحيض لم تصلح أن يري منها إلا هذا وهذا وأشار إلى وجهه وكفيه) في سنن أبي داود 4: 62، وقال: « هذا مرسل خالد بن دريك لم يدرك عائشة». قال خاتمة المحققين ابن عابدين في رد المحتار 6: 366: إن رؤية الثوب بحيث يصف حجم العضو ممنوعة ولو كثيفاً لا ترى البشرة منه. وعلى هذا لا يحل النظر إلى عورة غيره فوق ثوب ملتزق بها يصف حجمها، فيحمل ما مر على ما إذا لم يصف حجمها، وهذه أدلة جلية على حرمة ارتداء المرأة البنطال أو الملابس المجسمة لأعضائها وهيئتها أمام الأجانب، فإنها تصف جسدها ومفاتنها، وتثير الفتنة، فهي حقيقة كاسية ولكنها عارية؛ ولبشاعة صنعها وفعلها، فإنها تحرم من الجنة وريحها كما هو مصرح في الحديث، والله المستعان. أما بالنسبة للمحارم فإن ما كان منها عورة لا يجوز لها إظهاره أمام محارمها، والثياب الضيقة لا تعتبر ساترة للعورة، قال حافظ الدين البَزَّازيّ في الفتاوى البزازية 6: 370: ولباسها إن كان ملتزقاً ببدنها أو رقيقاً، فالنظر من ورائها كالنظر إلى بدنها، والنظر إلى العورة لا يجوز إلا للضرورة. ولا فرق في النظر للعورة بين المحارم والأجانب؛ لأنها مثيرة للشهوة، جالبة للفتنة قال الإمام فخر الدين قاضي خان عند كلامه على النظر إلى عورة المرأة عند مداواتها: ولا فرق في هذا بين ذوات المحارم وغيرهن؛ لأن النظر إلى العورة لا يحل بسبب المحرمية، كما في الفتاوى العالمكرية 5: 330، وغيرها. وهذا الحكم يغفل عنه كثيرة من الناس في زمان انتشر فيه الفساد والفحشاء، وسيطرت الشهوات على القلوب أمام هذه الفضائيات، قال العلامة محمد شفيع العثماني في أحكام القرآن 3: 483 (ت1396هـ): وقد عمت البلوى في بلادنا من لبس الثياب الملتزقة ببدنها والرقيقة، وهي لا تجوز عند المحارم أيضاً غير الزوج، فكيف بالأجانب، والناس عنه غافلون. والله أعلم.
imam icon

أرسل سؤالك إلى المساعد الذكي

إذا لم تكن الإجابات السابقة مناسبة، يرجى إرسال سؤالك إلى المفتي عبر