الإجابة
أقول وبالله التوفيق: كثر القيل والقال في هذه المسألة بترويج غير المعتمد فيها؛ إذ أن جمهور مذاهب السادة الفقهاء على تحريم قراءة القرآن للحائض والنفساء والجنب مطلقاً سواء أكانت حافظة للقرآن أو معلِّمة أو متعلِّمة أو غيرها على تفصيل سيأتي، وهذا هو مذهب الحنفية والشافعية والحنابلة.
فقد نصَّ الحنفية أنه لا تقرأ الحائض والنفساء والجنب شيئاً من القرآن، والآية وما دونها سواء في التحريم على الأصحّ، إلا أن لا يقصد بما دون الآية القراءة مثل: أن يقول: الحمد لله؛ يريد الشكر، أو بسم الله عند الأكل، أو غيره فإنه لا بأس به، كما في الفتاوى الهندية(1: 38). وقال العلامة البهوتي الحنبلي في شرح منتهى الإرادات(1: 111): « ويمنع قراءة القرآن مطلقاً». وقال الإمام النووي الشافعي في المجموع(2: 388): « مذهبنا المشهور تحريمهما».
وما ذهب إليه الجمهور من الحرمة تؤيِّدُه الأدلة المتظافرة، ومنها:
1.عن ابن عمر قال : « لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئاً من القرآن» في سنن الترمذي(1: 236)، وسنن البيهقي الكبير(1: 309)، وقال: ليس هذا بالقوي، وصحّ عن عمر أنه كان يكره أن يقرأ القرآن وهو جنب وساقه عنه في الخلافيات بإسناد صحيح. كما في السنن الصغرى(1: 564)، وإعلاء السنن(1: 349-350)، وغيرها. وقال الترمذي في سننه(1: 236): « وهو قول أكثر أهل العلم من أصحاب النبي والتابعين ومَن بعدهم مثل سفيان الثوري وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق، قالوا: لا تقرأ الحائض ولا الجنب من القرآن شيئاً، إلا طرف الآية والحرف ونحو ذلك، ورخَّصوا للجنب والحائض في التسبيح والتهليل».
2.عن علي قال: « كان النبي لا يحجبه عن قراءة القرآن ما خلا الجنابة» في صحيح ابن حبان(1: 510)، وسنن الترمذي(1: 273)، وقال: حسن صحيح، ومصنف ابن أبي شيبة(1: 99)، ومسند أحمد(1: 83)، ومسند أبي يعلى(1: 459) وغيرها، وقال ابن حجر في فتح الباري(1: 281): « الحق أنه حسن يصلح للحجية»، كما في فقه سعيد بن المسيب(1: 146)، قال الدكتور نور الدين عتر في إعلام الأنام(1: 270-271): « دلَّ الحديث على تحريم قراءة القرآن على الجنب، ومثله الحائض والنفساء لا سيما على الرواية المشهورة « لم يكن يحجبه أو قال: يحجزه» التي حكم لها بالصحة؛ لأنه جعل الجنابة حاجباً أو حاجزاً أي مانعاً، والمنع يقتضي التحريم».
3.عن عليّ قال: « رأيت رسول الله توضأ فقرأ آياً من القرآن، ثم قال هكذا لمَن ليس بجنب، فأمّا الجنب فلا، ولا آية» في مسند أبي يعلى(1: 300، وقال المقدسي في الأحاديث المختارة(2: 244): « إسناده صحيح»، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد(1: 276: « رجاله موثقون»، وما ينطبق على الجنب ينطبق على الحائض والنفساء، بل حدثها هي أشد منه، فالجنابة من احتلام لا تفسد الصوم بخلاف الحيض.
3.عن عبد الله بن رواحة : « إن رسول الله نهى أن يقرأ أحدنا القرآن وهو جنب» في سنن الدارقطني(1: 120)، وقال: « إسناده صالح».
4.عن عائشة رضي الله عنها، قالت: « كان رسول الله يتكئ في حجري، فيقرأ القرآن وأنا حائض» في صحيح مسلم(1: 246)، ومسند أحمد(6: 117)، ومسند ابن راهويه(3: 676)، قال الإمام ابن دقيق العيد في إحكام الأحكام(1: 160): « وفيه إشارة إلى أن الحائض لا تقرأ القرآن؛ لأن قولها: « فيقرأ القرآن»، إنما يحسن التنصيص عليه إذا كان ثمة ما يوهم منعه، ولو كانت قراءة القرآن للحائض جائزة لكان هذا الوهم منتفيا، أعني توهم امتناع قراءة القرآن في حجر الحائض».
وهذا الحكم بحرمة قراءتها خاص باللسان؛ فأما إجراء القراءة على القلب من غير تحريك اللسان، والنظر في المصحف وإمرار ما فيه في القلب فجائز بلا خلاف، وقد أجمع العلماء على جواز التسبيح والتهليل وسائر الأذكار غير القرآن للحائض والنفساء، كما في المجموع(2: 388). وهذه الحرمة سواء أكانت القراءة لآية أو ما دونها كما عند الإمام الكَرْخي، وهو المختار عند الحنفية، اختاره صاحب الدر المختار(1: 116)، والملتقى(ص4)، والمراقي(ص178)، والاختيار(1: 21)، والكنز(ص7)، وغيرها، والشافعية، كما في الموسوعة الفقهية الكويتية(18: 321).
وعند الإمام الطَّحَاوِيّ: يحل ما دون الآية، وهو رواية ابن سماعة عن أبي حنيفة ، ووجهه: إنه إن قرأ ما دون الآية لا يعد بها قارئاً، ورجحه ابن الهمام في فتح القدير(1: 148)، هذا إذا قصدت القراءة، فإن لم تقصدْها نحو أن تقول شكراً للنَّعمة: الحمدُ لله ربِّ العالمين، فلا بأس به، قال الطحاوي في مختصره(ص18)، وشرح معاني الآثار(1: 90): « ولا يقرأ الجنب ولا الحائض الآية التامة». وقال الحنابلة: « يحرم عليها قراءة آية فصاعداً، ولا يحرم عليها قراءة بعض آية؛ لأنه لا إعجاز فيه، وذلك ما لم تكن طويلة، كما لا يحرم عليها تكرير بعض آية ما لم تتحيل على القراءة فتحرم عليها، ولها تهجية آي القرآن لأنه ليس بقراءة له»، كما في الموسوعة الفقهية الكويتية(18: 321).
وأما في التعليم فجوَّز الحنفية لها التَّهجِّي بالقرآن والتَّعليم، وقال الإمامُ الكَرْخيُّ: المعلمةُ إذا حاضتْ تُعلِّمُ كلمةً كلمة، وتقطعُ بين الكلمتي، وصُحِّحَ في الدر المختار(1: 116)، وقال الإمام الطَّحَاوِيّ: نصف آيةٍ وتقطع، ثم تُعَلِّمُ النِّصفَ الآخر.
وخالف الإمام مالك الجمهور، وجوَّزَ قراءة للحائض مطلقاً، كما في الشرح الكبير(1: 173)، وحاشية الصاوي(1: 216)، والشرح الصغير(1: 215)، وفيه: « ولا يحرم عليها قراءة القرآن إلا بعد انقطاعه وقبل غسلها، سواء كانت جنبا حال حيضها أم لا، فلا تقرأ بعد انقطاعه مطلقا حتى تغتسل»؛ لأن زمنه طويل ويخاف نسيانها، وأجاب عنه الإمام النووي في المجموع(2: 388): «إن خوفَ النسيان نادر؛ لأن مدة الحيض غالباً ستة أيام أو سبعة، ولا ينسى غالباً في هذا القدر؛ ولأن خوف النسيان ينتفي بإمرار القرآن على القلب».
وبهذا يتبيّن أن ما يشاع من جواز قراءة القرآن للحائض والنفساء على الإطلاق ليس في محلّه لمخالفه قول جمهور العلماء بحرمة المؤيدة بالأدلة البيّنة الصحيحة عليه، والإفتاء بمذهب الإمام مالك لغير المالكية في البلاد التي لم ينتشر فيها مذهب الإمام مالك لا يجوز إلا في الضرورة وعموم البلوى التي يقدرها أهل العلم والفضل، كما نصّوا عليه في رسم المفتي. والله أعلم وعلمه أحكم.