السؤال
من أكثر الأسئلة طرحاً لدى النساء السؤال عن الإفرازات الخارجة منهنّ، والتي تسمّى لدى الفقهاء بـ«رطوبة الفرج»، فهل هي طاهرة أم نجسة، وهل تنقض الوضوء أم لا؟
الإجابة
أقول وبالله التوفيق: إن هذه الإفرازات طاهرة عند الإمام أبي حنيفة ، ففي « الجوهرة النيرة» 1: 38: « رطوبة الفرج فهي طاهرة عند أبي حنيفة كسائر رطوبات البدن».
وبالتالي لا يتنجس اللباس الذي تلامسه؛ لأنها كسائر رطوبات البدن من عرق وغيره لا تنجس الملابس. ففي « رد المحتار»1: 349: رطوبة الفرج طاهرة؛ ولذا نقل في «التتارخانية»: إن رطوبة الولد عند الولادة طاهرة، وكذا السخلة إذا خرجت من أمّها، وكذا البيضة فلا يتنجس بها الثوب، ولا الماء إذا وقعت فيه، لكن يكره التوضؤ به للاختلاف»: أي بين أبي حنيفة وصاحبيه كما سيأتي.
وهذه الطهارة للإفرازات إذا كانت صافية نقية خالية عن لون، بخلاف ما إذا اختلطت بغيرها فتغير لونها فإنها تكون نجسة بالاتفاق، قال خاتمة المحققين ابن عابدين في « حاشيته على الدر المختار»1: 349: « وهذا إذا لم يكن معه دم، ولم يخالط رطوبة الفرج مذي أو مني من الرجل أو المرأة».
وأما بالنسبة لنقضها للوضوء، فطالما أنها طاهرة إن لم يخالطها شيء عند الإمام أبي حنيفة ، فهي غير ناقضة للوضوء عنده، وقد صرَّح بذلك في الضياء المعنوي شرح مقدمة الغزنوي ق112/ا، فقال: «إن أخرجت المرأة القطنة من فرجها بأن حشته بقطنة حتى غيَّبتها، ثم أخرجتها، وكانت القطنة مبلولة، وقيَّد بمبلولة؛ لأنه لو خرجت غير مبلولة لا ينتقض، وهذا التفصيل قول البعض، وقال بعضهم: لا تنقض الوضوء مطلقاً، وقال بعضهم: تنقض مطلقاً، وهي رواية محمد ، وقال الصريفي : لا تنقض عند أبي حنيفة ، وتنقض عندهماـ أي أبي يوسف ومحمد ، وأصل الخلاف أن رطوبة الفرج عنده ـ أي أبي حنيفة ـ طاهرة كسائر رطوبات البدن كالريق والعرق، وعندهماـ أي أبي يوسف ومحمد ـ نجسة كالقيح؛ لأنها رطوبة متولدة في محل النجاسة».
وهذا ما أفتى به العلامة مصطفى الزرقا كما في فتاواه ص95، فقال: «سئلت فيما مضى كثيراً عن هذا الموضوع، وكنت أبيِّن شفهياً للسائلين من رجال ونساء أن هذا السائل اللزج الذي يخرج من المرأة في الحالات العادية(لا في الحالات المرضية) ويسميه الناس ـ الطهر ـ ليس بنجس شرعاً، ولا ينقض وضوء المرأة، كما يقرِّره الفقهاء، ومن السائلين من يستغرب هذا الجواب؛ لأنهم متصورون خلافه، ويتأكد منّي فأوكِّد لهم. كأنما كل ما فيه تيسير وتسامح ودفع للحرج والمشقة فيما يتصل بواقع الحياة الطبيعية، يراه أناس غريباً، حتى كأنّ معنى الشريعة لا يتحقق إلا في الإرهاق والمشقة، ومع أن هذه الشريعة الغرَّاء السمحة أساساً للتيسير ودفع الحرج». لكن العلامة محمد الحامد في «ردود على أباطيل» ص82-88 أفتى بأنه ناقض للوضوء رغم أنه طاهر عند أبي حنيفة ، وما سبق أن نقلناه عن « الضياء المعنوي» يحقق المسألة بأنه إذا كان طاهراً فهو ليس بناقض، كما هو عند الإمام أبي حنيفة ، وإن كان نجساً كما هو عند الصاحبين فهو ناقض، وعليه تحمل نصوص كتب المذهب، لا سيما أن المتون الفقهية لم تذكره ضمن نواقض الوضوء رغم كثرة وقوعه، وما ذلك إلا لكونه غير ناقض على قول الإمام أبي حنيفة .
ومما شرح صدري لهذا ما سمعته من أخي الفاضل الشيخ فراز رباني أن حكيم الأمة أشرف التهانوي فقيه العصر أفتى في « إمداد الفتاوى» بعدم النقض بعد تحقيقه للمسألة. واستدل الحافظ ابن حجر العسقلاني في تلخيص الحبير1: 51 لطهارة رطوبة فرج المرأة بما روى ابن خزيمة في صحيحه1: 142: عن عائشة رضي الله عنها، قالت: « تتخذ المرأة الخرقة، فإذا فرغ زوجها ناولته، فمسح عنه الأذى، ومسحت عنها، ثم صليا في ثوبيهما» موقوف، وفي لفظ سنن البيهقي الكبير 2: 411: « ينبغي للمرأة إذا كانت عاقلة أن تتخذ خرقة، فإذا جامعها زوجها ناولته فيمسح عنه، ثم تمسح عنها فيصليان في ثوبهما ذلك ما لم تصبه جنابة».
وفي صحيح ابن خزيمة 1: 142: من طريق يحيى بن سعيد، عن القاسم: سئلت عائشة رضي الله عنها عن الرجل يأتي أهله، ثم يلبس الثوب فيعرق فيه؟ فقالت: كانت المرأة تعدّ خرقة، فإذا كان; مسح بها الرجل الأذى عنه، ولم ير أن ذلك ينجسه». فحاصل ما سبق أن الإفرازات طاهرة عند الإمام أبي حنيفة إن كانت صافية، وهي غير ناقضة للوضوء على المعتمد للفتوى، بخلاف الصاحبين فإنها نجسة عندهما وناقضة للوضوء.
وعند غيرهم من الفقهاء كما في الموسوعة الفقهية 32: 85: « أنه ذهب جمهور الفقهاء إلى نجاسة رطوبة الفرج الخارجة من باطنه؛ لأنها حينئذ رطوبة داخلية، أما الخارجة من ظاهر الفرج، وهو ما يجب غسله في الغسل والاستنجاء فهي طاهرة. وذهب أبو حنيفة والحنابلة: إلى طهارة رطوبة الفرج مطلقاً». كما في الفتاوى الفقهية الكبرى1: 32 27-28، 32، وحاشيتا قليوبي وعميرة 1: 82، وأسنى المطالب1: 13، ومواهب الجليل1: 104، والتاج المكلل1: 151، والإنصاف1: 341، وغيرها.
ونقل العلامة محمد الحامد في « ردود على أباطيل» ص86-88: عن المالكية والشافعية والحنابلة أنها ناقضة للوضوء. لكن هذا النقل يحتاج إلى تحقيق من كتبهم، والمقام لا يتسع لذلك، والله أعلم وعلمه أحكم.