الإجابة
أقول وبالله التوفيق: إن من شروط الصلاة ستر العورة: وسميت عند أهل اللغة عورةً؛ لقبح ظهورها، وغض الأبصار عنها، وهي مأخوذة من العور، وهو النقص والعيب والقبح.
والمتتبع لعبارات فقهائنا الحنفية الكرام يجد أنهم لا يعتبرون الثياب الضيقة ساترة للعورة بحيث تحلّ الصلاة فيها، أو يحل النظر إليها وإن كان من المحارم كما سيأتي في فتوى حكم لبس المرأة الثياب الضيقة أمام محارمها؛ إذ أنهم حددوا ستر العورة فقال العلامة الشُّرُنْبُلاليّ في حاشيته على الدرر 1: 60: «الستر بأن لا يرى ما تحت الساتر، حتى لو كان يصفه لا يجوز، حتى يلزمه الستر». وأوضح ذلك المحقق ابن نجيم في البحر الرائق 1: 283: «لو ستر العورة بثوب رقيق يصف ما تحته لا يجوز، وشمل ما إذا كان بحضرته أحد أو لم يكن حتى لو صلى في بيت مظلم عريانا وله ثوب طاهر لا يجوز إجماعا؛ لأن الستر مشتمل على حق الله وحق العباد وإن كان مراعى في الجملة بسبب استتاره عنهم، فحق الله تعالى ليس كذلك، فإن قيل الستر لا يحجب عن الله تعالى ؛ لأنه سبحانه يرى المستور كما يرى المكشوف أجيب بأنه يرى المكشوف تاركاً للأدب، والمستور متأدباً، وهذا الأدب واجب مراعاته عند القدرة عليه».
فهذه نصوص صريحة في عدم جواز الصلاة في البنطال الضيق الذي يصف ما تحته من العورة للمرأة، وقد ذكروا أن المستحب للمرأة أن تصلي في ثلاثة أثواب مبالغة في ستر نفسها، قال العلامة الشلبي في حاشيته على تبيين الحقائق 1: 164: « ويستحب له أن يلبس من أحسن ثيابه وصالحها عند الصلاة ويتعمم، وكذا عند قراءة القرآن وليستقبل بها القبلة وفي التحفة وغيرها اللبس في الصلاة أنواع ثلاثة: مستحب، وجائز، ومكروه.
فالمستحب: ثلاثة أثواب قميص وإزار ورداء وعمامة هكذا حكاه أبو جعفر الهندواني عن أصحابنا وعن محمد المستحب ثوبان إزار ورداء.
والجائز من غير كراهة أن يصلي في ثوب واحد متوشحاً به أو قميص ضيق لوجود ستر العورة وأصل الزينة.
والمكروه أن يصلي في سراويل أو إزار لا غير.
وفي حق المرأة المستحب ثلاثة أثواب في الروايات كلها وهي إزار ودرع وخمار. والدليل على كراهية الصلاة في السراويل وحدها وعنده قميص حديث عبد الله بن يزيد عن أبيه قال: (نهى رسول الله أن يصلي في لحاف لا يتوشح به، والآخر أن يصلي في سراويل ليس عليه رداء)» في سنن أبي داود 1: 228، والمستدرك 379، وصححه، سنن البيهقي الكبير 2: 236.
وأما عند سادتنا الشافعية فقد كرهوا صلاة المرأة بالبنطال وإن جازت، قال الإمام النووي في المجموع 3: 176: « لو ستر اللون ووصف حجم البشرة كالركبة والألية ونحوهما صحت الصلاة فيه لوجود الستر، وحكى الدارمي وصاحب البيان وجها أنه لا يصح إذا وصف الحجم، وهو غلط ظاهر ويكفي الستر بجميع أنواع الثياب والجلود والورق والحشيش المنسوج وغير ذلك مما يستر لون البشرة، وهذا لا خلاف فيه».
وفي حاشيتي قليوبي وعميرة 1: 202: « أما ما يصف الحجم دون اللون كالسراويل الضيقة فيكره للمرأة، وهو خلاف الأولى للرجل وفيه وجه ببطلان الصلاة»، ومثله في حاشية البجيرمي 1: 452. والله أعلم.