صحّة أحاديث الصحيحين والعمل بها

السؤال
هل يلزم العمل بكل حديث ورد في الصحيحين، وهل كل ما فيهما صحيح؟
الإجابة
أقول وبالله التوفيق: يكثر النقاش في المجالس العامّة والخاصّة في صحّة أحاديث الصحيحين وتلقي الأمة لها بالقبول، وهذا الكلام ليس وليد اليوم وإنما له جذور من زمن ابن الصلاح  بعد تصريحه بتلقي الأمّة لما في الصحيحين من الأحاديث؛ إذ حصل جدال كبير في ذلك لمَن جاء بعده، وليس هذا محل كلامنا. وإنّما أقصد ههنا الخروج من النزاع الحاصل بين المعاصرين في ذلك، وأنه لا داعي له، والأولى السكوت عنه والاشتغال بغيره؛ لأن هناك مسلّمات في العلم لو استحضرناها لما اضطررنا إلى التنازع في هذا الأمر، ومنها: أولاً: إن صحّة الحديث عن رسول الله  بطريق الآحاد لا تعني ثبوته القطعي؛ لأن الثبوتَ القطعي خاصّ بالقرآن الكريم، والأحاديث المتواترة، والمشهورة على قول، أما أحاديث الآحاد فهي ظنيّة وإن وصلت بظنيّتها أعلى المراتب؛ لأنها لا تخلو عن احتمال سهو أو غلط أو نسيان الراوي الثقة أو ما شابه ذلك. قال الجلال السيوطي  في التدريب(1: 35)، والإمام اللكنوي  في ظفر الأماني(ص112): «اعلم أنه إذا قال أهل الحديث: هذا حديث صحيح، فمرادهم ما ظهر لنا بظاهر الإسناد، لا أنه مقطوع بصحته في نفس الأمر، خلافاً لمَن قال: إن خبر الواحد يوجب العلم، كحسين الكرابيسي وغيره، وحكاه ابن الصبّاغ في «العدة» عن قوم من أصحاب الحديث، قال القاضي أبو بكر الباقلاني: هو قول من لا يُحَصِّلُ عِلمَ هذا الباب. وكذا قولهم: هذا حديث ضعيف، فمرادهم أنه لم يظهر لنا فيه شروط الصحّة، لا أنه كذب في نفس الأمر، لجواز صدق الكاذب، وإصابة كثير الخطأ»، ومثله في التقريرات السنية(ص18). ثانياً: إن صحيحي البُخاري ومسلم أصحّ الكتب بعد كتاب الله  كما في متون المصطلح مثل: مقدمة ابن الصلاح (ص1)، ومختصر الجرجاني (ص120)، والتقريب (ص2)، ومقدمة عبد الحق الدهلوي (ص85). وقال الحافظ السخاوي  في الغاية شرح الهداية(ص 25): صحيح البخاري وصحيح مسلم... أصحّ الكتب بعد كتاب الله ، وقال العلامة الفتوحي  في شرح الكوكب المنير(ص643): «إنهما أصحّ الكتب بعد القرآن؛ لاتفاق الأمة على تلقيهما بالقبول»، وقال العلامة الأبناسي  في الشذا الفياح(ص82): « وكتاباهما أصح الكتب بعد كتاب الله العزيز». وقال الإمام اللكنوي في ظفر الأماني(ص120): « هذا ممّا اتفق عليه المحدثون شرقاً وغرباً: أن « صحيح البخاري»، و« صحيح مسلم» لا نظيرَ لهما في الكتب»، وعبارات العلماء الشاهدة على ذلك لا تحصى عدداً، وفيما ذُكِرَ كفاية. ثالثاً: إن العملَ بالحديث مسألة أخرى تخالف الصحّة؛ لأن بعض أحاديث الصحيحين لم يعمل بها بعض المذاهب الفقهية عند أهل السنة من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة، وهذا كثيرٌ مشهور لا يحتاج مثله إلى استدلال وتمثيل. وهناك أحاديث من الصحيحين ترك العمل بها جمهور مذاهب أهل السنة المعتمدة، ومن أمثلة ذلك: حديث: «أفطر الحاجم والمحجوم» في صحيح البخاري(2: 685) ، فقد ذهب الحنفية والمالكية والشافعية إلى عدم الإفطار بالحجامة، وخالف الحنابلة وقالوا: بأنها تفطر، كما في الموسوعة الفقهية الكويتية(17: 17). وذكروا للحديث تأويلات منها: أن الفطر لم يكن لأجل الحجامة، بل إنما ذلك كان لمعنى آخر وهو أن الحاجمَ والمحجومَ كانا يغتابان رجلاً فلذلك قال  ما قال...، وليس إفطارهما ذلك كالإفطار بالأكل والشرب والجماع، ولكن حبط أجرهما باغتيابهما فصارا بذلك كالمفطرين لا أنه إفطار يوجب عليهما القضاء، كما في عمدة القاري(11: 38). وقليل من أحاديث الصحيحين اتفقت كلمة المذاهب السنية المعتمدة على عدم العمل بها، مثل: حديث ابن عباس : «صلى رسول الله  الظهر والعصر جميعاً بالمدينة بلا خوف ولا سفر، قال أبو الزبير: فسألت سعيداً لم فعل ذلك؟ فقال: سألت ابن عباس كما سألتني فقال: أراد أن لا يحرج أحداً من أمته» في صحيح مسلم(1: 490)؛ لمعارضة الآيات والأحاديث المتواترة بأن لكلِّ صلاة ميقاتاً. قال الحافظ الترمذي : « جميع ما في هذا الكتاب من الحديث معمول به، وقد أخذ به بعض أهل العلم ما خلا حديثين: حديث ابن عباس  إن النبي  جمعَ بين الظهر والعصر بالمدينة...». وقال الإمام النووي الشافعي : « الجمع في الحضر بلا خوف، ولا سفر، ولا مطر، ولا مرض مذهبنا ومذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد والجمهور: أنه لا يجوز». وكذا حديث: « إنما الماء من الماء» في صحيح مسلم(1: 269) فهو منسوخ بحديث: « إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل» في صحيح البخاري(1: 110) ففي الموسوعة الكويتية (17: 286): « أجمع الفقهاء على أنه يجب الغسل بغيبوبة الحشفة...». وعدم عمل الفقهاء بأحاديث ثبتت صحّتها غير صادر عن هوى ومزاج وحاشاهم من ذلك، بل لوقوفهم على قرائن تمنع من العمل بالحديث كمعارضته ما هو أقوى منه من الأدلة القرآنية أو الحديثية، أو ثبوت نسخه، أو ما شابه ذلك. فبعدما نقل الحافظ ابن عبد البر  في جامع بيان العلم (ص148): كلام الليث بن سعد : «أحصيتُ على مالك  سبعين مسألة قال فيها برأيه، وكلُّها مخالفةً لسنةِ رسول الله » تعقبه قائلاً: «ولم نجد أحداً من علماء الأمة أثبت حديثاً عن رسول الله  ثمّ ردَّه إلاَّ بحجّة كادِّعاء نسخ أو بإجماع أو طعن في سنده، ولو ردَّه أحدٌ من غير حجّة لسقطت عدالته، فضلاً عن إمامته، ولزمه اسمُ الفسق، وعافاهم الله  عن ذلك، وقد جاء عن الصحابة  اجتهادهم بالرأي والقول بالقياس على الأصول ما سيطول ذكره، وكذلك التابعون». فاستخراج الأحكام الفقهية من الأدلة الشرعية يحتاج إلى مجتهد مطلق، ولا يتأتى هذه لكلّ أحد؛ لأنه إخبار بحكم الله  في المسألة، ولا يملكه إلا مَن كان أهلاً له؛ لما يقع بين الأدلة من التعارض الظاهر الذي لا يملك دفعه إلا المجتهد، ومن ثم التوفيق بين الأدلة وبيان الحكم الشرعي، قال الإمام تقي الدين السُّبكي  في معنى قول الإمام المطلبي إذا صحّ الحديث فهو مذهبي(ص18): « نسب قول: الحديث مضلَّة إلا للفقهاء؛ إلى كلّ من ابن وهب والليث بن سعد وابن عيينة ، ولا يخفى معناه على مَن له نوع اتّصال بكتب العلم وأهله، وروي قريب من معناه عن أئمة آخرين». ومن أفضل من بحث مسألة صحة الصحيحين والعمل بهما محدّث العصر شبير العثماني في مقدمة فتح الملهم شرح صحيح مسلم(1: 296-300)، أذكر هاهنا شذرات منه لما فيه من النفع العظيم إذ قال: « ولا يلزم من إجماع الأمة على كونها صحيحة حسب مصطلح المحدثين الإجماع على العمل بمضمونها، كما قال الترمذي في حديث ابن عباس  في الجمع بين الصلاتين بالمدينة، الذي أخرجه مسلم في « صحيحه» أنه غير معمول به. ولا على كونها مقطوعاً بأنها من كلام النبي  في الواقع، فإن الأمة مأمورة بالعمل بالظنّ حيث لا يطلب القطع، والظنّ قد يخطئ، وذلك كالقاضي، فإنه مأمور بالحكم بشهادة مَن كان عدلاً في الظاهر، وكونه مأموراً بذلك لا يدلّ على أن شهادة العدل لا بُدّ أن تكون مطابقة للواقع، وثابتة في نفس الأمر؛ لاحتمال أن يكون قد شهد بخلاف الواقع، إما لوهمٍ وقع له إذا كان عدلاً في نفس الأمر، أو للكذب، لم يتحرج منه إذا كان عدلاً فيما يبدو للناس فقط، والقاضي على كل حال قد قام بما وجب عليه. نعم إذا وقع الإجماع على العمل بمقتضى خبر بعينه، أو تلقي الأمة لمضمونه بالقبول تعاملاً وتصديقاً، فحينئذٍ يفيد العلم بصحة مضمونه في الواقع، وكونه معمولاً به في نفس الأمر، ولو لم يكن الإسناد صحيحاً ... وهذا فرق دقيق لم يتنبه له ابن تيمية وغيره من أنصار ابن الصلاح . وأيضاً فوقوع الإجماع على أصحية الكتابين وعظم شأنهما وتقدمهما على غيرهما ليس معناه أصحية كل حديث فيهما بالنسبة إلى ما سواهما، بل أصحية الجملة من الجملة، وتقدمها عليها... وعلى هذا فلا يستدلّ بمجرد هذا الإجماع الجملي على كون حديث معين من أحاديثهما أصحّ من صحاح سائر الكتب، إلا بعد تبيّن وجوه الأصحيّة في ذلك الحديث بعينه... وإن كلّ حديث حكم بصحّته المحدثون إنما حكمهم فيما يتعلق بالإسناد حسب ما يقتضيه فنهم ووظيفتهم، وهذا القدر لا يمنع الفقهاء وعلماء الأصول من عدم تصحيحه أحياناً من حيث المتن بحسب موضوعهم ووظيفتهم... فإجماع أهل العلم بالحديث على أصحية ما في الصحيحين غاية ما في الباب أنه يوجب القطع بالأصحية المعتبرة عند المحدثين، دون الأصحية المعتبرة عند الفقهاء، فيقال: إن أحاديث الصحيحين مقطوع بصحتها الإسنادية وثبوتها الحديثي عند جميع العلماء وسائر الأمة، دون صحتها الفقهية وثبوتها الأصولي.... وليس غرضنا مما كتبنا في هذا المبحث تهوين أمر الصحيحين، أو غيرهما من كتب الحديث، معاذ الله، بل المقصود نفي التعمق والغلو، ووضع كلّ شيء في موضعه، وتنويه شأنه بما يستحقه...». إذا استبان لك ما سبق علمت أنه لا داعي للافتراق والنزاع في صحة أحاديث الصحيحين لاعتبارهما أصحّ الكتب بعد كتاب الله ، وأن صاحبيهما شدّدا ودقَّقا في شروط الصحّة أكثر من غيرهما كما حقق ذلك الحفاظ، وهذه الصحة لا توصلهما إلى العلم القطعي، وإنما مبناهما على الظن والاجتهاد. وإن الجانبَ العلمي التطبيقي في هذه المسألة وهو العمل بأحاديثهما...، فيه تفصيل وتدليل يقوم به المجتهدون من الفقهاء، ورحم الله الأعمش حين جلى هذا الأمر، فقال: معشر الفقهاء أنتم الأطباء ونحن الصيادلة، كما في مقدمة نصب الراية(ص287). وبعد هذه التجلية والتوضيح لما اعترى هذه المسألة من التزييف بالتهجم على أحاديث الصحيحين والطعنّ فيهما بظنّ أن لهما منزلة القرآن من العصمة في التحريف، وهذا ظنّ فاسد، وفعل كاسد، لم يقله الأئمة، وإنما محلّ كلامهم ما مرّ بيانه. والله أعلم.
imam icon

أرسل سؤالك إلى المساعد الذكي

إذا لم تكن الإجابات السابقة مناسبة، يرجى إرسال سؤالك إلى المفتي عبر