الإجابة
أقول وبالله التوفيق: هنالك شروط لجواز المسح على الجوربين: أولاً: شروط المسح على الخفين. ثانياً: أن يكونا منعلين أو مجلدين أو ثخينين إن لم يكونا منعلين أو مجلدين: والمنعل: هو الذي وضع الجلد على أسفله: كالنعل للقدم في ظاهر الرواية. والمجلد: هو الذي وضع الجلد على أعلاه وأسفله، وهذا الشرط؛ لأن المنعل أو المجلد يمكن مواظبة المشي عليه، والرخصة لأجله فصار: كالخف. وحدّ الثخانة إن لم يكونا منعلين أو مجلدين: 1. أن لا يكونا رقيقين شفافين بحيث يرى ما تحتهما منهما للناظر ولا يحجبان ما وراءهما.
2. وأن لا ينفد الماء منهما.
3. وأن يستمسكا على الساق من غير ربط، ويستدل لجواز المسح على الجوربين بالشروط السابقة: بأحاديث جواز المسح الخفين، مع حديث المغيرة بن شعبة : «إن رسول الله توضأ ومسح على الجوربين والنعلين»، في صحيح ابن خزيمة 1: 99، وصحيح ابن حبان 4: 167، وجامع الترمذي 1: 167، وصححه، وسنن أبي داود 1: 41، وسنن النسائي الكبرى 1: 92، وسنن ابن ماجة 1: 185. لكن لا يعمل بمطلق المسح على الجوربين استناداً إلى هذا الحديث.
قال العلّامة المحدث البنوري في معارف السنن 1: 350-351: «وبالجملة لم يعملوا بإطلاق الحديث، بل كأنهم عملوا بتنقيح المناط في الخف، فأدخلوا فيه ما ذكرنا، وعلى كل حال إن صح حديث الجوربين لم يمكن أن يعمل على إطلاقه الشامل للثخينين والرقيقين؛ لمعارضة القرآن المتلو، نعم عملوا بجزء منه، إما تمسكاً به أو بتنقيح الخف الوارد في المتواتر، ... وأيضاً الحديث يروى عن المغيرة بنحو ستين طريقاً، ولم يذكر لفظ حديث الباب إلا في هذه الطريق، فكيف يطمئن به القلب، ثم إن عمل قوم من المتساهلين بالمسح على الجوارب الرقيقة ليس له أصل في الشريعة يعتمد عليه، إن كان بهذا الحديث فقد عرفت ما فيه وما قال الأئمة، وإن كان بقول الفقهاء فهم اشترطوا إما التجليد وإما التنعيل، وعلى الأقل الثخانة، والله أعلم». وقال العلّامة الدكتور نور الدين عتر في إعلام الأنام شرح بلوغ المرام 1: 187-188: «تعلق بهذا الحديث بعض أهل العلم، وأباح المسح على الجوربين أيا كان حالهما، وأنت إذا تأملت الحديث وجدته يحكي واقعة فعلية، لا يوضح لنا تفاصيل صفة ذلك الجورب الذي مسح عليه النبي صلى الله عليه وسلم ما سمكه؟ ومتانته؟ ولعله أن يكون فوق الخف أو يكون له نعل، ولعله ليس كذلك، ومن المعلوم في أصول الفقه أن الاستدلال بالوقائع الفعلية على معرفة ظروفها وملابساتها. فالحقيقة أنه لا يصح الاستدلال بهذا الحديث لما ذهبوا إليه، وإنه لتفريط منهم وتساهل في حق الشريعة، وقد تبين أن المسح على الخفين إنما ثبت بالسنة المتواترة وبانعقاد الإجماع على جوازه ... وأنه لا يصح الاستدلال ... على جواز المسح على الجوربين جوازاً مطلقاً لا قيد فيه. وقد منع المالكية والشافعية المسح على الجوربين أخذاً بظاهر آية الوضوء، وهو قول الإمام أبي حنيفة أيضاً، ولم يعملوا بحديث المغيرة رضي الله عنه هذا في المسح على الجوربين، وقد ظهر عذرهم في ذلك واضحاً. إلا أننا نرى إمكان العمل بالحديث إذا رددناه إلى الأصل في المسألة ـ وهو المسح على الخفين ـ فإذا استوفى الجورب صفات الخف أجزنا المسح عليه، وإلا فليس بجائز، وهذا هو مسلك الإمام أحمد وصاحبي أبي حنيفة أبي يوسف ومحمد وعليه الفتوى في مذهب الحنفية، وبه نقول: يجوز المسح على الجوربين إذا كانا بهذه الصفة: أن يكونا صفيقين: أي سميكين، وأن يمكن متابعة المشي بهما.... وثمة شرط متفق عليه أيضاً وهو أن يستمسك الجورب على القدم بنفسه من غير ربط، وعلى هذا فما استوفى تلك الشروط من الجوارب يصح المسح عليه، وما لا يستوفي لا يجوز المسح عليه باتفاق الأئمة المجتهدين». وينظر: رد المحتار 1: 179، والإيضاح ق7/ب، والتبيين 1: 52، ونهاية المراد ص389، والهدية العلائية ص39، وبدائع الصنائع 1: 10، والله أعلم.