الإجابة
أقول وبالله التوفيق: لما وقع الاستهزاء برسول البرية محمد من بعض الصحف الغربية برسوم غير لائقة، وضاق المسلمون بذلك ذرعاً، وعلت الأصوات غضباً، واحتجوا في مشارق الأرض ومغاربها على هذا الاعتداء الأثيم، رأيت من الواجب بيان الحكم الفقهي لمَن يتعرَّض لذات النبي من المسلمين وغيرهم، بعدما شاع في كثير من البلاد الإسلامية وغيرها الانتهاك الصريح بالقول أو الفعل لحرمة النبي .
وقد سبق التأليف في بيان ذلك مصنفات مستقلة منها: السيف المسلول على مَن سبّ النبي للتقي السبكي(ت756هـ)، والصارم المسلول على شاتم الرسول لابن تيمية(ت728هـ)، وتنبيه الولاة والحكام على أحكام شاتم خير الأنام أو أحد أصحابه الكرام لابن عابدين(ت1252هـ)، ولما كان تنبيه الولاة آخر هذه المؤلفات فقد جمع فأوعى، وحقَّق ونقح هذا المسألة، لا سيما أن مؤلفه خاتمة المحققين ابن عابدين الذي عرف واشتهر بين الأنام وشاع صيته بين البلاد والعباد فرأيت من المناسب عرض عصارة مباحثه وتحقيقاته بين يدي القارئ الكريم، ومن أراد التفصيل فليراجع ذلك الأصل العظيم، وإليك خلاصة أحكام شاتم النبي :
أولاً: يجب قتله إذا لم يتب بالإجماع، قال القاضي عياض: « أجمعت الأمة على قتل منتقصه من المسلمين وسابه»، وقال ابن المنذر: « أجمع عوام أهل العلم على أن من سبّ النبي عليه القتل». ومن الأدلة على ذلك: 1.قال :{إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُهِيناً... مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً}[الأحزاب:57-61]، فهذه الآيات تدل على كفره وقتله.
2.قال : (يا معشر المسلمين مَن يعذرني من رجل قد بلغني عنه أذاه في أهلي، والله ما علمت على أهلي إلا خيراً...فقام سعد بن معاذ... فقال: أنا يا رسول الله أعذرك، فإن كان من الأوس ضربت عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك...) في صحيح البخاري 4: 1517]، فقول سعد بن معاذ هذا دليل على أن قتل مؤذيه كان معلوماً عندهم وأقره النبي ولم ينكره، ولا قال له: إنه لا يجوز قتله. 3.عن ابن عباس : (إن أعمى كانت له أم ولد تشتم النبي وتقع فيه فينهاها فلا تنتهي ويزجرها فلا تنزجر، قال: فلما كانت ذات ليلة جعلت تقع في النبي وتشتمه فأخذ المغول ـ أي السكين ـ فوضعه في بطنها واتكأ عليها فقتلها فوقع بين رجليها طفل فلطخت ما هناك بالدم، فلما أصبح ذكر ذلك للنبي فجمع الناس فقال: أنشد الله رجلاً فعل ما فعل لي عليه حق إلا قام، قال فقام الأعمى: يتخطى الناس وهو يتزلزل حتى قعد بين يدي النبي فقال: يا رسول الله أنا صاحبها كانت تشتمك وتقع فيك فأنهاها فلا تنتهي وأزجرها فلا تنزجر، ولي منها ابنان مثل اللؤلؤتين وكانت بي رفيقة، فلما كان البارحة جعلت تشتمك وتقع فيك فأخذت المغول فوضعته في بطنها واتكأت عليها حتى قتلتها فقال النبي : ألا اشهدوا أن دمها هدر). في سنن أبي داود 2: 533، والمستدرك 4: 394، وسنن الدارقطني 3: 112، والمعجم الكبير 11: 351، وسنن البيهقي الكبير 7: 60، تفسير القرطبي 8: 76 .
4.إن المرتد ثبت قتله بالإجماع، والنصوص المتظاهرة ، ومنها قوله : (مَن بدل دينه فاقتلوه) في الموطأ3: 324، وصحيح البخاري 6: 2537، والساب مرتد مبدل لدينه، كما في تنبيه الولاة 1: 294-296. ثانياً: إن الساب المسلم مرتد، والكلام فيه كالكلام في المرتد، وقتله يكون حداً، فالسبّ كفرٌ خاص يدخل تحت عموم: (مَن بَدَّلَ دينه فاقتلوه)، وبالإسلام تزول علّة القتل؛ لأن معنى فاقتلوه: أي ما دام مبدلاً لدينه؛ لاتفاق جمهور الأئمة على قبول توبة المرتد، ودرء القتل عنه بالإسلام، ويدلّ على أن العلة الكفر لا خصوص السبّ عندنا أن الساب إذا كان كافراً لا يقتل عندنا إلا إذا رآه الإمام سياسة، ولو كان السب هو العلة لقتل به حداً. كما في تنبيه الولاة 2: 297-298.
ثالثاً: يستتاب الساب، وتقبل توبته، قال ابن المنذر: « أجمع عوام أهل العلم على أن مَن سبّ النبي يقتل، وممن قال ذلك مالك والليث وأحمد وإسحاق...، ومقتضى قول أبي بكر ولا تقبل توبته عند هؤلاء، وبمثله قال أبو حنيفة وأصابه والثوري وأهل الكوفة والأوزاعي في المسلم لكنهم قالوا: هي ردة». وقال الإمام السبكي: « لا شك أن مَن قال: لا تقبل توبته يقول: إنه لا يستتاب، وأما مَن يقول بقبول توبته فظاهر كلامهم أنهم يقولون باستتابته كما يستتاب المرتد، بل هو فرد من أفراد المرتدين». وقال أيضاً: « ولكن المشهور على الألسنة وعند الحكام وما زالوا يحكمون به على أن مذهب الشافعي قبول التوبة...».
وقال العلامة حسام جلبي: « اعلم أن سبّ النبي كفر وارتداد؛ لأنه مناف لتعظيمه والإيمان به الثابت بالأدلة القطعية التي لا شبهة فيها فسبه جحود له، فيكون كفراً فيقتل به إن لم يتب، وهذا مجمع عليه بين المجتهدين، لكنه إن تاب وعاد إلى الإسلام تقبل توبته فلا يقتل عند الحنفية والشافعية، خلافاً للمالكية والحنابلة على ما صرح به شيخ الإسلام علي السبكي»، كما في تنبيه الولاة 2: 298-310.
رابعاً: يقتل الساب من أهل الذمة، قال الخطابي: « قال مالك: مَن شتم النبي من اليهود والنصارى قتل إلا أن يسلم وكذا قال أحمد، وقال الشافعي: يقتل الذمي إذا سب النبي وتبرأ منه الذمة واحتج بخبر كعب بن الأشرف».
وهو عن عبد الله بن كعب بن مالك: « كان كعب بن الأشرف يهجو النبي ويحرض عليه كفار قريش، وكان النبي حين قدم المدينة وأهلها أخلاط منهم المسلمون والمشركون يعبدون الأوثان واليهود، وكانوا يؤذون النبي وأصحابه، فأمر الله نبيّه بالصبر والعفو، ففيهم أنزل الله:{وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ}[آل عمران: 186]، فلما أبى كعب بن الأشرف أن ينزع عن أذى النبي أمر النبي سعد بن معاذ أن يبعث رهطاً يقتلونه، فبعث محمد بن مسلمة، وذكر قصة قتله فلما قتلوه...» في سنن أبي داود 2: 169.
وفي صحيح البخاري3: 1103: « عن جابر عن النبي قال: من لكعب بن الأشرف؟ فقال محمد بن مسلمة: أتحب أن أقتله؟ قال: نعم. قال: فأذن لي، فأقول: قال: قد فعلت».
وقال القاضي عياض في الشفا 2: 223: « أما الذمي إذا صرح بسب أو عرّض أو استخف بقدره أو وصفه بغير الوجه الذي كفر به فلا خلاف عندنا في قتله إن لم يسم؛ لأنا لم نعطه الذمة والعهد على هذا وهو قول عامة العلماء إلا أبا حنيفة والثوري وأتباعهما من أهل الكوفة فإنهم قالوا: لا يقتل؛ لأن ما هو عليه من الشرك أعظم، ولكن يؤدب ويعزر.
وقال الإمام السبكي: « لا أعلم خلافاً بين القائلين بقتله من المذاهب الثلاثة المالكية والشافعية والحنابلة أي أنه لا تصح توبته مع بقائه على الكفر، أما إذا أسلم ففي كل من المذاهب الثلاثة خلاف...». وينظر: تفسير القرطبي 8: 76، والتمهيد 6: 168، وعون المعبود 12: 11، والصارم المسلول ص10، وأحكام أهل الذمة 3: 1398، والشفا 2: 188.
وحقق ابن عابدين في تنبيه الولاة ص332 مذهب الأحناف بقول: « إن الذمي يجوز قتله عندنا، لكن لا حداً، بل تعزيراً فقتله ليس مخالفاً للمذهب، وأما أنه ينتقض عهده فمخالف للمذهب أي على ما هو المشهور منه في المتون والشروح». وينظر: الجوهرة النيرة 2: 276، ودرر الحكام 1: 300، ومجمع الأنهر 1: 677، ورد المحتار 4: 234-235.
وفي تاريخ الخلفاء للسيوطي ص87: « إن المهاجر بن أبي أمية وكان أميراً على اليمامة رفع إليه امرأتان مغنيتان غنت إحداهما بشتم النبي فقطع يدها ونزع ثنيتها، وغنت الأخرى بهجاء المسلمين فقطع يدها ونزع ثنيتها، فكتب إليه أبو بكر : بلغني الذي فعلت في المرأة التي تغنت بشتم النبي فلولا ما سبقتني فيها لأمرتك بقتلها؛ لأن حد الأنبياء ليس يشبه الحدود، فمَن تعاطى ذلك من مسلم فهو مرتد، أو معاهد فهو محارب غادر...وإياك والمثلة في الناس فإنها مأثم و منفرة إلا في قصاص».
خامساً: ينقض عهد المصالح من الكفار ويحل دمه، قال الشافعي : « ويشترط على المصالحين من الكفار أن من ذكر كتاب الله أو محمداً رسول الله بما لا ينبغي، أو زنى بمسلمة، أو أصابها باسم نكاح، أو فتن مسلماً عن دينه، أو قطع عليه طريقاً، أو أعان أهل الحرب بدلالة على المسلمين، أو آوى عيناً لهم فقد نقض عهده وأحل دمه وبرئت منه ذمة الله وذمة رسوله، وظاهر الآية يدل على أن من أظهر سب النبي من أهل العهد فقد نقض عهده؛ لأنه قال :{وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ}[التوبة: 2].
فجعل الطعن في ديننا بمنزلة نكث الأيمان؛ إذ معلوم أنه لم يرد أن يجعل نكث الأيمان والطعن في الدين بمجموعهما شرطاً في نقض العهد؛ لأنهم لو نكثوا الأيمان بقتال المسلمين ولم يظهروا الطعن في الدين لكانوا ناقضين للعهد، وقد جعل رسول الله معاونة قريش بني بكر على خزاعة وهم حلفاء النبي نقضاً للعهد، وكانوا يفعلون ذلك سراً، ولم يكن منهم إظهار طعن في الدين ... فإذا ثبت ذلك كان من أظهر سب النبي من أهل العهد ناقضا للعهد؛ إذ سب رسول الله من أكثر الطعن في الدين»، كما في أحكام القرآن للجصاص4: 275، وينظر: الصواعق المحرقة 1: 140. وفي الختام فإن على المسلمين أن لا يغفلوا عن الأحكام الشرعية المتعلقة بهذا الدين العظيم ونبيه الكريم ، وأن يوصوا بعضهم البعض في التحذير ممن يقع بدينهم ورسولهم ، وأن يكونوا يداً واحدةً على مَن يستهزئ بسيدنا محمد أو شيئاً مما جاء به، فإن ذلك كفر صريح وبواح، قال :{وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ}[التوبة:65]، والله أعلم.