السؤال
في التّجارات الدّولية يطلبوا فتح اعتماد لدى بنك موثوق من أجل ضمان دفع الثمن للبضاعة عندما تستورد، فما حكم هذا؟
الإجابة
أقول وبالله التوفيق: من ضرورة التجارة الدولة في تبادل المبيع والثمن وجود اعتماد مصرفي لدى كلِّ واحد من المتعاقدين يضمن له تسليم الآخر للثمن أو للمبيع، وهذا الالتزام من البنك بدفع الثمن، يُسمّى «خطاب الضمان»، فإن استلم مستندات الشَّحن، فإنّه يفحصُها من حيث كونها مطابقةً للشرو ط والمواصفات، فإن وجدها مطابقة يُؤدي مبلغ الاعتماد، والمشتري يُسمّى «طالب فتح الاعتماد».
وهذا الفتح الاعتماد المصرفي يمكن أن يضع فيه المشتري الثمن كاملاً، ويسمّى «مغطى بالكامل»، ويمكن للمشتري أن يضع جزءاً من الثمن فيه، ويسمّى «مغطى جزئياً»، ويمكن أن لا يضع شيئاً من الثمن، ويسمّى «غير مغطى»؟
والمصرف لا يقوم بمثل هذا الاعتماد مجاناً، وإنما يقوم به بمقابل أجرة معينة، ففي الصورة الأول لا يوجد إقراض من المصرف للمشتري، وما يأخذه من مال يكون أجرة على هذا العمل، ولا ضير في ذلك؛ لأنها مقدرة بأجرة السوق لمن يقوم بهذا العمل، قال شيخنا العثماني في فقه البيوع (2: 1082- 1089): «هناك حاجة حقيقة للتجارة المعاصرة لا تكاح تُسَدُّ بالكفالة المجانية، فتحتاج المسألة إلى نظر دقيق ورعاية للجانبين... والذي يظهر أن فتح الاعتماد لا يتمحض في كونه عقداً للكفالة، بل تصحبه خدمات أُخرى يقدمها البنك، ولا بأس أن يتقاضى الأجرة عليها».
وفي الصورة الثانية: يُمكن للمصرف أن يدخل شريكاً مع المشتري، فيقدم بقية الثمن للبائع، ثم يبيع نصيبه من المشتري بثمن يتراضيا عليه، فيتحقق له ما يريد من ربح ما شارك به من مال وفتح الاعتماد.
وفي الصورة الثالثة: يمكن للمصرف أن يشتري المبيع، ثم يقوم ببيعه للمشتري بما يتراضيا عليه بناءً على صحّة الوعد الملزم، أو يكون عقد مضاربة بين المصرف والمشتري بحيث يكون المصرف ربّ المال، والمشتري المضارب، فيتحقق للمصرف الربح المقصود من التجارة بماله وفتح الاعتماد.
قال شيخنا العثماني في فقه البيوع (2: 1090): «وأما تقاضي الفائدة على خطاب الاعتماد غير المغطّى، فهو محظور من أجل كونه ربا صراحاً، وبديله الشرعي الأمثل: أن يعقد البنك مع العميل عقد المضاربة أو الشراكة في استيراد البضائع، وإنّ المستوردين إنما يستوردون البضائع عادة عندما تكون عندهم طلبات من المشترين لتلك البضائع، فلو كان المقصود فتح الاعتماد بغطاء جزئي، فيمكن للبنك أن يدخل مع العميل في شركة، فالغطاء الجزئي حصة العميل في رأس المال، والباقي حصة البنك، ويجب أن يتفقا على نسبة تقاسمهما للربح بعد وصول البضائع وبيعها في السّوق، وفي هذه الحالة تكون عمولة فتح الاعتماد من جملة تكلفة الشركة.
أما إذا كان المقصود فتح الاعتماد بدون غطاء أصلاً، فيمكن أن يدخلا في المضاربة، فيكون البنك ربّ المال بما دفعه من المال عند وصول المستندات، ويكون العميل مضارباً، من حيث إنه يعقد الاتفاقية من البائع المصدِّر، ويتسلّم البضائع من الميناء، ويبيعها في السوق، وما يحصل عليه من الربح، فإنه يقسم بينه وبين البنك بالنسبة المتفق عليها في المضاربة.
أما البنوك الإسلامية اليوم، فإنها تفتح الاعتماد بدون غطاء على أساس المرابحة، وطريقها: أنّ العميل «الطالب للشراء» حينما يتقدم إليها لفتح الاعتماد، فغن البنك يريد أن يشتري البضاعة من البائع بنفسه، ثم يبيعها إلى الطالب للشراء مرابحة مؤجلة، ولهذا الغرض يجعل البنك الطالب للشراء وكيلاً له لاستيراد البضاعة، ولمّا تصل إليه مسندات الشحن يبيع تلك البضاعة إلى الطالب للشراء مرابحة مؤجّلة، وينطبق عليه حكم المرابحة للآمر بالشراء...»، والله أعلم.