حلق اللحية وقصها وتحديدها

السؤال
ما حكم حلق اللحية وقصها وتحديدها ؟
الإجابة
أقول وبالله التوفيق: إن مسألة حلق اللحية مسألة فقهية خلافية، فأمر اللحية متسع، وليست هي قضية المسلمين التي تحتاج منا أن نوجه كلّ اهتمامنا لها، وأنَّ الدَّعوى إلى الاقتداءِ بحضرة النَّبيّ  في هيئتِه يرغب فيها؛ لتحقيق الكمال البشري، وليبقى تعاملنا فيما يتعلَّق باللحية على ترغيبِ المسلمين وتحبيبهم بها تأسياً بالنبي ، لا أنه من إنكار المنكر؛ لأنها مختلف فيها. قال في فتاوى الزرقا ص272: «مَن قال لكم: إن من شرائط الإسلام إطلاق اللحية، وارتداء الجلابية في الشَّارع، إن عدم اللحية منافٍ لسنة الإسلام للرجال، ولكنه ليس شرطاً لصيرورة الإنسان مسلماً، فمعظم المسلمين اليوم يحلقون لحاهم، وإن إطلاق اللحية ليس خاصاً بالمسلمين، بل يفعله الأجانب شباباً وشيوخاً بكثرة، بل أصبح هو «موضة الشباب العصري!!»، وأهون الأمور مَن كانت مخالفته للسلوك الإسلامي هي حلق اللحية....». ونعرض لبعض ما يتعلق بحلق اللحية وقصها فيما يلي: 1.إنَّ أصول الاستنباط عند الحنفية لا يستفاد منها وجوب اللحية، وإنَّما تجعلها في دائرة السنية والاستحباب، قال السَّرَخْسيّ في المبسوط4: 74: «السُّنّةُ قَصُّ الشَّارب وإعفاء اللحى». 2.تعتبر اللحية من سنن الزوائد عند الحنفية فتأخذ حكم الاستحباب على هذا الأصل؛ لأنَّها من العادات لا العبادات. قال عبد العزيز الغماري في إفادة ذوي الأفهام ص26-27: «ومن قال من الفقهاء بوجوب اللحية وتحريم حلقها، إنَّما حكم بذلك كما قلنا لأجل العادة، التي تربّى فيها، ونشأ عليها، وألفها في حياته الاجتماعية، كما كان الحال عندنا في المغرب قبل انتشار حلق اللحية، كنا نرى حلقها السوءة الكبرى، والموبقة العظمى؛ لكون ذلك مخالفاً لحالة مجتمعنا الملتحي، والدليل على هذا أنَّ الفقهاء لم يقولوا بتحريم كل ما ورد النهي عنه لأجل التشبه». 3.الفطرة معناها السنة في عبارة عامة الحنفية، فالأحاديث التي ذكرت اللحية من الفطرة تفيد على قولهم: أنَّها سنة لا واجبة. فعن أبي هريرة  قال : «من فطرة الإسلام: الغسل يوم الجمعة، والاستنان، وأخذ الشارب وإعفاء اللحى، فإنَّ المجوس تعفي شواربها وتحفي لحاها فخالفوهم، حفوا شواربكم وأعفوا لحاكم» في صحيح ابن حبان3: 24. 4.لا تعدُّ اللحية من التشبه المذموم عند الحنفية ما لم يقصد حالقها أو قاصها التشبه أو تكون شعاراً لغير المسلمين أو يكون فعل الحلق أو القص ليس عرفاً شائعاً في المجتمع المسلم، لكن إن قصها أو حلقها مستخفاً أو مستهزئاً بسنة الإسلام فيخشى عليه الكفر، وفي هذا لا تنطبع هذه الضوابط على اللحية بحيث يكون حلقها أو قصها من التشبه المذموم. فعن أبي حنيفة عن حماد عن إبراهيم أنَّه قال: «لا بأس أن يأخذ الرَّجل من لحيته ما لم يتشبه بأهل الشرك»، كما في كتاب الآثار1: 234. فعن ابن عمر  قال : «خالفوا المشركين أحفوا الشوارب وأوفوا اللحى» في صحيح مسلم1: 222، وعن أبي هريرة ، قال : «جزوا الشوارب وأرخوا اللحى خالفوا المجوس» في صحيح مسلم1: 222، قال ابن الهمام في فتح القدير2: 348: «فهذه الجملة واقعة موقع التعليل»: أي جملة: «خالفوا المشركين»، أو «خالفوا المجوس»، وقال الكاسانيّ في بدائع الصنائع2: 141: «ولأنَّ ذلك تشبه بالنصارى فيكره». 5.إنَّ المروءة هي العرف الممدوح في المجتمع، فإن كانت حلقُ اللحية أو قصُّها في عرف مجتمع مذموماً وخارماً للمروءة كان حلق اللحية أو قصُّها مكروهاً، وإن كان الحلقُ والقصُّ هو الشائع في المجتمع ولا يعتبر معيباً فلا يكون الحلق أو القص مذموماً، ولا يعتبر من خوارم المروءة، وهذا هو الحال في المجتمعات المسلمة الآن أن الحلق أو التقصير ليس من خوارم المروءة، فعلى هذا الأصل لا يكون حلقُ اللحية وقصُّها مكروهاً، وهذا لا يمنع الترغيب فيها اتباعاً لسنة النبي . قال العمادي في تنقيح الفتاوى العمادية1: 429: «فإن كان حلق اللحية يخل بالمروءة يمنع القبول ـ أي الشهادة ـ وإلا فلا»، وشرحها ابن عابدين فقال في تنقيح الفتاوى العمادية1: 429: «فعلى هذا فإن كان ممن يعتادون الحلق ولا يعدونه رذيلة بينهم لا يخل بمروءته فتقبل شهادته...». 6.إنَّ التشبه بالنِّساء مسألة عرفية، فالذي يحدد هذا التصرف والمظهر خاص بالرَّجل أو المرأة هو العرف، فكل تصرف في العرف يعدّ تشبهاً بالنساء يكون مذموماً ومكروهاً، وحلق اللحية لا يعتبر في المجتمعات المسلمة من التشبه بالنساء، ولا يظنّ من يفعل بذلك أنَّه يرغب التشبه بالنساء، وبناء على ذلك لا يعتبر الحلق من التشبه بالنساء، فلا يكره من هذا الوجه. فعن ابن عبَّاس ، قال: «لعن النَّبيُّ  المخنثين من الرِّجال، والمترجلات من النِّساء، وقال: أخرجوهم من بيوتكم» في صحيح البخاري7: 159. قال العيني في عمدة القاري24: 14: «والمترجلات أي: النساء الشبيهات بالرِّجال المتكلفات في الرُّجولة وهو بالحقيقة ضد المخنثين؛ لأنَّهم المتشبهون بالنساء»، كما في عمدة الرِّعاية22: 42. 7.تعتبر عموم البلوى من أفراد الضرورة وإن كانت مختلفة عنها، بحيث تشمل كلَّ ما يشيع وينتشر في المجتمع وإن لم يكن فيه ضرورة، فإن وجدنا أصلاً أو قولاً لمجتهدٍ معتبر في رفع الإثم عن النَّاس فعلنا تحقيقاً لمفهوم عموم البلوى. وفي مسألةِ اللحية وجدنا الشَّافعية قالوا: بسُنيّة اللِّحية، وفي قول قويٍّ عند المالكية بجواز التَّقصير مالم يكن مثلةً، وعامّة كتب الحنفيّة تدلُّ على سنيّة اللحيّة، فلا حاجة لنا حينئذٍ للالتفات لبعض العبارات الموهمة عند الحنفيةِ للحرمةِ والتَّمسُّك بها عملاً بهذا الأصل. قال في شرح النفرواوي2: 307: «يحرم حلقها إذا كانت لرجل، وأما قصها فإن لم تكن طالت فكذلك، وأما لو طالت كثيرا فأشار إلى حكمه بقوله: قال مالك: ولا بأس بالأخذ من طولها إذا طالت طولاً كثيراً. بحيث خرجت عن المعتاد لغالب الناس فيقص الزائد؛ لأنَّ بقاءه يقبح به المنظر، وحكم الأخذ الندب فلا بأس هنا لما هو خير من غيره، والمعروف لا حد للمأخوذ، وينبغي الاقتصار على ما تحسن به الهيئة». قال الخير الرمليُ الشافعيّ في فتاويه4: 69: «حلقَ لحية الرجل ونتفَها مكروهٌ لا حرام، وقولُ الحَلِيمي: «لا يحل لأحد أن يحلق لحيتَه ولا حاجبيه» ضعيفٌ». والله أعلم.
imam icon

أرسل سؤالك إلى المساعد الذكي

إذا لم تكن الإجابات السابقة مناسبة، يرجى إرسال سؤالك إلى المفتي عبر