الإجابة
أقول وبالله التوفيق: إن قوام الحياة البشرية على العلوم المختلفة، لا سيما ما يتعلق بها حفظ النسل البشري من الهلاك والانقراض مثل علم الطب، وهذا أمرٌ واضح بيِّن نصّ على علماء الإسلام، وفي طليعتهم الفقهاء؛ إذ جعلوه من علوم الكفاية التي لا بدّ لأهل كل بلد من تعلمه؛ ليحفظوا للإنسان والإنسانية حقها في العيش الكريم، وههنا أورد بعض عباراتهم الدالة على ذلك على سبيل الإيجاز، والله الموفق إلى الصواب:
قال حجة الإسلام الغزالي إحياء علوم الدين 1: 27: «العلوم التي ليست بشرعية تنقسم: إلى ما هو محمود، وإلى ما هو مذموم، وإلى ما هو مباح. فالمحمود ما يرتبط به مصالح أمور الدنيا كالطب والحساب، وذلك ينقسم إلى ما هو فرض كفاية وإلى ما هو فضيلة وليس بفريضة.
أما فرض الكفاية فهو علم لا يستغني عنه في قوام أمور الدنيا كالطب؛ إذ هو ضروري في حاجة بقاء الأبدان، وكالحساب فإنه ضروري في المعاملات وقسمة الوصايا والمواريث وغيرهما، وهذه هي العلوم التي لو خلا البلد عمن يقوم بها حرج أهل البلد وإذا قام بها واحد كفى وسقط الفرض عن الآخرين، فلا يتعجب من قولنا إن الطب والحساب من فروض الكفايات فإن أصول الصناعات أيضاً من فروض الكفايات كالفلاحة والحياكة والسياسة، بل الحجامة والخياطة، فإن لو خلا البلد من الحجام تسارع الهلاك إليهم، وحرجوا بتعريض أنفسهم للهلاك، فإن الذي أنزل الداء أنزل الدواء وأرشد إلى استعماله وأعد الأسباب لتعاطيه فلا يجوز التعرض للهلاك بإهماله...».
وقال السيد علوي بن أحمد السقاف في الفوائد المكية ص12-13: «ينقسم العلم من حيث هو شرعياً كان أو غيره غالباً إلى فرض عين وفرضك كفاية:
فالأول: ما لا رخصة لمكلف في جهله، وهو علم ما تتوقف عليه صحة إيمانه من الأصول الدينية، وعلم ظواهر ما يتلبس به في الحال ولو نفلا من الأحكام الفقهية......
والثاني: هو فرض الكفاية: ما إذا قام به البعض سقط الحرج عن الباقين إن حصل المقصود بفعل البعض رخصة وتخفيفاً، ومن ثم كان القائم به أفضل من القائم بفرض العين على الأصح، قال ابن أبي شريف: واعلم أن التكليف في فرض الكفاية موقوف على حصول الظن الغالب، فإن غلب على ظنّ جماعة أن غيرهم يقوم بذلك سقط عنها الطلب، وإن غلب أن كل طائفة لا تقوم به وجب على كل طائفة القيام به، وإن غلب على ظن كل طائفة أن غيرهم يقوم به سقط الفرض عن كل واحدة من تلك الطوائف، وإلا بأن تركوه كلهم أثم بالترك كل من لا عذر له من أهل فرضه كلهم لتقصيرهم.
قال المارودي وغيره: وإنما يتوجه فرض الكفاية في العلم على كل مكلف حرّ ذكر غير بليد مكفي ولو فاسقاً لكن لا يسقط به إذ لا يقبل فتواه ... وهو أي فرض الكفاية من العلم ما تدعو إليه ضرورة مما لا يتم أمر المعاش والمعاد ... ومنه الطب، وهو علم أي قانون يعرف به حفظ الحاص من صحة جسم الإنسان ورد الزائل منها، وهو علم شريف شرعاً وعقلاً....». وقال الفقيه ابن حجر الهيتمي في نهاية المحتاج 8: 47 والعلامة الشربيني في مغني المحتاج 6: 10 والعلامة ابن القاسم العبادي في حاشيته على تحفة المحتاج 9: 215: «ومن فروض الكفاية علم الطب المحتاج إليه لمعالجة الأبدان». وقال الإمام البركوي والعلامة أبو سعيد الخادمي في بريقة محمدية شرح طريقة محمدية 1: 267: «ومن العلوم التي يندب تعلمها علم الطب ولا يجب، وفي «التاتارخانية»: إن علم الطب فرض كفاية إذا قام في البلد بذلك واحد سقط عن الكل. لكن في «فصول الاسروشني» بالندب أيضاً». ومن الحكايات الطريفة التي تذكر مما يناسب المقام ما قال الإمام أبو عبد الله القرطبي في «شرح أسماء الله الحسنى» له: «حكي أن طبيباً عارفاً نصرانياً قال لعلي بن الحسين: ليس في كتابكم من علم الطب شيء والعلم علمان: علم الأديان وعلم الأبدان، فقال له علي: جمع الله الطب في نصف آية من كتابنا فقال: ما هي؟ قال قوله عز وجل: {وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ} [الأعراف:31]، فقال النصراني: ولا يؤثر عن رسولكم شيء من الطب؟ فقال علي: رسولنا صلى الله عليه وسلم جمع الطب في ألفاظ يسيرة؛ فقال: ما هي؟ قال: (المعدة بيت الداء والحمية رأس كل دواء وأعط كل جسم ما عودته)، فقال النصراني: ما ترك كتابكم، ولا نبيكم لجالينوس طباً. قال علماؤنا: يقال: إن معالجة الطبيب نصفان: نصف دواء ونصف حمية، فإن اجتمعا فكأنك بالمريض وقد برئ وصح، وإلا فالحمية به أولى؛ إذ لا ينفع دواء مع ترك الحمية، وقد تنفع الحمية مع ترك الدواء. ولقد قال صلى الله عليه وسلم: (أصل كل دواء الحمية) والمعنى بها والله أعلم أنها تغني عن كل دواء.
ولذلك يقال: إن أهل الهند جلّ معالجتهم الحمية يمنع المريض عن الأكل والشرب والكلام عدة أيام فيبرأ ويصح. وقال بعض الحكماء: أكبر الدواء تقدير الغذاء. وقد بيّن النبي هذا المعنى بياناً شافياً يغني عن كل كلام الأطباء فقال: (ما ملأ ابن آدم وعاء شراً من بطنه حسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه) أخرجه الترمذي . وقال علماؤنا: لو سمع بقراط بهذه القسمة لعجب من هذه الحكمة. وقالوا: ليس للبطنة أنفع من جوعة تتبعها» كما في المدخل لابن الحاج 4: 118-119، والآداب الشرعية والمنح المرعية 2: 353-354، وغيرها.
قال القاضي: «في هذه الأحاديث صحة علم الطب وجوازه واستحبابه ورد لمنكر التداوي كغلاة الصوفية؛ لأن فاعل الكل هو الله تعالى، والتداوي من قدر الله...»، كما في بريقة محمودية 1: 274.والله أعلم.