حكم تارك الصلاة

السؤال
هل يكفر تارك الصلاة؟
الإجابة
أقول وبالله التوفيق: تارك الصلاة على حالين: الأول: أن يكون الترك للصلاة جحوداً، فإنه يكفر؛ لثبوتها بدليل قطعي. الثاني: أن يكون الترك للصلاة عمداً ومجوناً وتكاسلاً فإنّه فاسق، ويحبس حتى يُصلي؛ لأنه يحبس لحق العبد، فحقُّ الله  أحق، كما في تنوير الأبصار والدر المختار 1: 235، وهذا عند الحنفية. وذهب المالكية والشافعية فيمن ترك الصلاة تهاوناً وكسلاً لا جحوداً إلى أنه يُقتل حدّاً، أي أن حكمه بعد الموت حكم المسلم فيُغسل، ويُصلى عليه، ويُدفن مع المسلمين؛ لقول النبي : «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة» في صحيح البخاري1: 153، وصحيح مسلم1: 52؛ ولأنه تعالى أمر بقتل المشركين. وذهب الحنابلة: إلى أن تارك الصلاة تكاسلاً يدعى إلى فعلها ويُقال له: إن صليت وإلا قتلناك، فإن صلى وإلا وجب قتله، ولا يقتل حتى يحبس ثلاثاً ويدعى في وقت كلّ صلاة، فإن صلى وإلا قتل حداً، وقيل كفراً: أي لا يغسل ولا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين، الموسوعة الفقهية الكويتية 27: 54-55، وشرح منهج الطلاب 2: 132، والأم 1: 291، والمغني 2: 158، ومواهب خليل 1: 411، وهذا إن وضع السيف فوقه ولم يقم للصلاة، وهذا يدل على أنه جاحد إن وصل لهذه الدرجة. وهذا يدلّ على عدم كفر تارك الصلاة بالاتفاق في المذاهب الفقهية الأربعة، ومما يستدل به على هذا: 1.عن عبادة ، قال : «خمس صلوات افترضهن الله على عباده، فمَن جاء بهن وقد أكملهن ولم ينتقصهن استخفافاً بحقِّهنّ كان له عند الله عهد أن يدخله الجنّة، ومَن جاء بهنّ وقد انتقصهن استخفافاً بحقهنّ لم يكن له عند الله عهد إن شاء عذبه وإن شاء رحمه» في صحيح ابن حبان 5: 23، والأحاديث المختارة 8: 365، وسنن أبي داود 2: 62، وسنن النسائي الكبرى 1: 142، والمجتبى 1: 230، وسنن ابن ماجة 1: 449، والموطأ 1: 123، وفي رواية: « فمَن لقيه بهن لم يضيع منهنّ شيئاً لقيه وله عنده عهد يدخله به الجنّة، ومَن لقيه وقد انتقص منهنّ شيئاً استخفافاً بحقهنّ لقيه ولا عهد له، إن شاء عذّبه وإن شاء غفر له» في مسند أحمد 5: 322، ومشكل الآثار 4: 194. 2.عن كعب بن عجرة الأنصاري  قال: « خرج علينا رسول الله  ونحن في المسجد، سبعة منا، ثلاثة من عربنا، وأربعة من موالينا، فقال: ما يجلسكم هنا؟ قلنا: الصلاة. قال: فنكت بأصبعه في الأرض، ثم نكس ساعة، ثم رفع إلينا رأسه، فقال: تدرون ما يقول ربكم؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: إنه يقول مَن صلى الصلاة لوقتها وأقام حدها كان له به على الله عهد إذا جاءه الجنة، ومَن لم يقم الصلاة لوقتها ولم يقم حدها لم يكن له به عندي عهد إن شئت أدخلته النار وإن شئت أدخلته الجنة» في مشكل الآثار 4: 200، وسنن الدارمي 1: 303، ومسند عبد بن حميد 1: 145. قال الطحاوي في مشكل الآثار 4: 201: «وفي حديثيهما جميعاً: وإن شاء أدخله الجنة، فكان في ذلك ما قد دلّ أنه لم يخرجه بذلك من الإسلام فيجعله مرتداً مشركاً؛ لأن الله  لا يدخل الجنة من أشرك به؛ لقوله : {مَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ}[المائدة:72]، ولا يغفر له؛ لقوله :{إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء}[النساء:48]». 3.أن هذا القول أولى بالقياس؛ لأن فرائض الله على عباده في أوقات خاصة، منها الصَّلوات الخمس، ومنها صيام شهر رمضان، وكان مَن ترك صوم شهر رمضان متعمداً بغير جحود لفرضه عليه لا يكون بذلك كافراً، ولا عن الإسلام مرتداً، فكان مثله تارك الصلاة حتى يخرج وقتها إن لم يكن جاحداً بها، فلا يكون بذلك مرتدّاً، ولا عن الإسلام خارجاً ، كما في مشكل الآثار 4: 206. ولا يعمل الفقهاء بظاهر حديث جابر ، قال : « إن بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة» في صحيح مسلم 1: 88، وسنن الترمدي 5: 13، وفي رواية: « ليس بين العبد وبين الكفر إلا ترك الصلاة» في مسند أبي عوانة 1: 63، ومسند الشهاب 1: 181؛ لأن له وجوه متعددة حملوه عليها، ومنها: 1.أنّها محمولة على التهويل والتعظيم لمكانة الصلاة؛ قال اللكنوي في نفع المفتي ص177: « والأحاديث الدالة على كفر التارك محمولة على الزَّجر والتَّوبيخ». 2.أنّها محمولة على معنى الكفر لغة، قال الطحاوي: « إن الكفر المذكور في هذا الحديث خلاف الكفر بالله، وإنما هو عند أهل اللغة أنه يغطي إيمان تارك الصلاة، ويغيبه حتى يصير غالباً عليه مغطياً له، ومن ذلك ...قول الله :{كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ} [الحديد:20]، يعني الزراع الذين يغيّبون ما يزرعون في الأرض لا الكفار بالله . ومن ذلك ما قد روي عن النبي  في حديث كسوف الشمس: «وأريت النار ورأيت أكثر أهلها النساء قالوا: لم يا رسول الله؟ قال: بكفرهن، قيل: أيكفرن بالله ؟ قال: يكفرن العشير ويكفرن الإحسان، ـ لو أحسنت إلى إحداهن الدهر، ثم رأت منك شيئاً، قالت: ما رأيت منك خيراً قط ـ» في صحيح مسلم 2: 626، وصحيح البخاري 1: 357، فسمّى ما يكون منهنّ مما يغطين به الإحسان كفراً، ومن ذلك ما قد روي عن رسول الله  من قوله: « سباب المسلم فسوق وقتاله كفر» في صحيح مسلم 1: 61، وصحيح البخاري 1: 27، ولم يكن ذلك على الكفر بالله ، ولكنه ما قد ركب إيمانه وغطاه من قبيح فعله... والله أعلم حتى تصح هذه الآثار ولا تختلف». والله أعلم.
imam icon

أرسل سؤالك إلى المساعد الذكي

إذا لم تكن الإجابات السابقة مناسبة، يرجى إرسال سؤالك إلى المفتي عبر