السؤال
مما شاع في أيامنا مسألة بيع الراتب التقاعدي في الضمان الاجتماعي، فإنّ عمليات بيع الرّاتب التقاعدي موجودة ومنتشرة بكثرة؛ بسبب الأوضاع المعيشية السيئة للمتقاعدين من أصحاب الرواتب المتدنّية، خاصّة وأن (85%) من متقاعدي الضمان تقل رواتبهم عن (500) دينار أردني، وهذا الراتب تحت خط الفقر، كما أن المتقاعد من القطاع الخاصّ بعدما يخرج من وظيفته يفقد التأمين الصّحي، وهو في هذه المرحلة في أمسِّ الحاجة للتأمين الصحي، وللأسف الضمان لا يؤمّن للمتقاعدين تأميناً صحياً. فيَعمد متقاعدون مدنيون وعسكريون لبيع رواتبهم التقاعدية، للحصول على مبلغ مالي دفعة واحدة مقابل التنازل عن رواتبهم، وتتم عملية البيع من خلال وسطاء يستقطبون المتقاعدين العازمين على بيع رواتبهم، ومستثمرين راغبين بشراء تلك الرواتب، فما الحكم للبائع والمشتري، مع العلم أن هذا البيع تحفه بعض المخاطر على المشتري والبائع، ومن المخاطر التي تُهدِّد المشتري أن يعودَ صاحبُ التقاعد المبكر إلى سوق العمل قبل مضيّ 24 شهرًا على تقاعده، أو أن يعود إلى منشأة كان يعمل بها خلال السنوات الثلاثة الأخيرة قبل تقاعده المبكر، حيث لا يحقّ في هذه الحالات للمتقاعد مبكرًا أن يجمع بين راتب التقاعد وأجر العمل الجديد، بحسب قانون الضمان الاجتماعي، ومنها: وفاة المتقاعد وصرف الراتب للمستحقين من ورثته، وإن بعض المتعاقدين يوقعون ورقة تنازلٍ عن الميراث أو جزءٍ منه لصالح المشتري، أو يبرمون عقدًا يكون البائع فيه مدينًا للمشتري بمبلغ محدد، ما يرتّب على الورثة سداد هذا الدين للمشتري قبل توزيع التركة. أما بالنسبة للبائع فإن يمكن أن لا يُقدَّم أية ضمانات لتجعل المشتري حرًا في التصرف برواتبهم، سواء عبَّر شهادة الشهود، أو وكالةٍ غير قابلة للعزل، أو تعهدٍ بعدم العودة إلى العمل، أو تنازل الورثة عن التّركة، أو تأمينٍ على الأموال، أو إبرام اتفاقية استثمار أو تشغيل، أو تنازل عن بطاقة الصراف الآلي بالمقابل، وهذه الضمانات قد لا تكون كافية أحيانًا لحماية حقّ الطرفين في حالات الخلاف بعد البيع، إذ لا تتعامل المحكمة مع هذه المسألة باعتبارها قضيةً أو مخالفةً جزائية تستوجب إيقاع العقوبة، إنما تتعامل معها كقضية مدنية على اعتبار أنها مطالبة مالية بين طرفين، ويمكن للبائع من خلالها أن يحاول إثبات تعرضه للغبن أو الخداع -مثلًا- من أجل استرداد حقه، لكن دون إيقاع عقوبة بحق المشتري، فما حكم البيع والشراء لراتب الضمان؟
الإجابة
معلوم أن الضمان صورة من صور التأمين، والتأمين ليس من الحقوق المجردة المالية، وإنما استحقاق مالي يثبت للشخص بإزاء ما يدفع من مال على هيئة خاصة، فله شبه بالدين على الآخرين، والدين على الغير لا يجوز بيعه؛ لأن بيع الدين لا يصحّ؛ للأصل المشهور: لا يصح بيع الدين إلا ممن عليه الدين، وبالتالي لا يصح بيع الراتب التقاعدي، ولا يحلّ ذلك للبائع ولا للمشتري، ويكون ما أخذوه من مال خبيث، ويجب فسخ التصرف وإعادة المال لصاحبه. قال شيخنا العثماني في فقه البيوع 1: 357-358: «ولا يخفى أنّ هذا البيع ممنوع شرعاً؛ لاشتماله على الغرر، فإنّه لا يُعرف كم يبقى البائع حيّاً ويستحق الراتب فالمبيع مجهول القدر، ولكونه رباً إذا بيع بنقد، لأنّه مجازفة في بيع نقد بنقد».