الإجابة
صورته: حقُّ التنازل عن الوظيفة والأوقاف قبل أن تجمع الأوقاف في وزارة خاصة، فكان يحقّ للموظف كإمام أو خطيب أن يتنازل عن وظيفته لمن كان مثله بإذن القائم على الوقف مقابل مال، كما في الكافي لغاوجي3: 476. وذكر بعض محشي «الأشباه» من أن المال الذي يأخذه النازل عن الوظيفة رشوة، وهي حرام بالنص، كما في رد المحتار4: 520.
ومبنى أنه رشوةٌ عدم المالية لهذا الحقِّ من الوظيفة؛ لكونه ليس عيناً ولا منفعةً، وهذا صحيحٌ بهذا النظر، لكن العين والمنفعة صارت أموالاً بالعرف، فإن كان العرفُ يَعتبر أنّ مثلَه مالاً، فيكون مالاً، وهذا ما قرَّره عامة العلماء والقضاة، قال العيني: «ليس للنزول شيءٌ يُعتمد عليه، ولكن العلماء والحُكَّام مشوا على ذلك للضرورة، واشترطوا إمضاء الناظر؛ لئلا يقع فيه نزاع»، نقله في رد المحتار4: 520 عن حاشية الأشباه للسيد أبي السعود من فتاوى العيني.
وهذه الضرورةُ هي وجود عرف شاع بين الناس باعتبارها؛ لأنهم أحياناً يُعبِّرون بكلٍّ من الضرورةِ والعرفِ عن بعضهما، كما فعل ابنُ عابدين في رسالة «نَشر العرف»، فإن انتشارَها وشيوعَها يجعلها من أفراد الضرورة عموماً.
وبيَّن ابنُ عابدين أنّ الفتوى بها راجعةٌ للعرف، فقال في الدر المختار4: 519: «المذهبُ عدم اعتبار العرف الخاصّ، لكن أفتى كثيرٌ باعتباره، وعليه فيُفتى بجواز النزول عن الوظائف بمال».
وسعى بعض العلماء لإيجاد أصل لها من مسائل المذهب، فذكر الحمويُّ أن العَينيَّ: « سمع من بعض شيوخه الكبار أنه يُمكن أن يحكم بصحة النزول عن الوظائف الدينية قياساً على ترك المرأة قسمها لصحبتها؛ لأنّ كلاً منهما مجرد إسقاط»، نقله في رد المحتار4: 519 عن الحموي عن شرح نظم درر البحار للعيني.
ولكن هذا الأصل بعيدٌ لما سبق أن المعاني مختلفة بينهما، وفي كلام العيني السابق ردّ لهذا الأصل عندما قال: «ليس للنزول شيء يعتمد عليه».
وكان العملُ بالنزول عن الوظائف، والفتوى على ذلك، والنقاشُ في الأصل الذي تُلحق به، فظاهر عامّة العبارات اعتبارها من العرف، وألحقها بعضُهم ببعض المسائل المنقولة في المذهب، قال الأتاسي في شرح مجلة الأحكام3: 84: «فمنهم مَن استند في جوازه إلى أنه قد تُعورف ذلك في بعض البلدان، والعرفُ الخاصُّ قد اعتبره كثيرٌ من العلماء، ومنهم مَن استند في ذلك إلى إلحاقه بنظائره المنصوص على جواز أخذ البدل فيها حقّ القصاص وحقّ النكاح وحق الرق، فإنه قد جاز أخذ البدل فيها مع أنهما حقوق، فألحق بها النزول عن الوظائف».
وبالتالي تُعتبرُ هذه الوظائفُ بالوصف المذكور من الحقوقِ المجردةِ المالية التي اكتسبت ماليَّتَها من ثبوت الحقِّ لمثل صاحب هذه الوظيفة لعقد منه مع الوقف، بحيث مَن يرغب من الناس بالحصول عليها يُمكن أن يُقدِّم عوضاً مالياً لذلك، ولحفظِ حقِّ دافع المال لا بُدّ من موافقةِ الناظر للوقف على ذلك.
قال ابن عابدين في رد المحتار4: 520: «فالمسألة ظنية والنظائر المتشابهة للبحث فيها مجال وإن كان الأظهر فيها ما قلنا، فالأولى ما قال في «البحر» من أنه ينبغي الإبراء العام بعده».
قال شيخنا العثماني في بحوث فقهية معاصرة1: 117: «المختار عند الحنفية أنّ حقَّ الوظيفة، وإن كان لا يجوز بيعه، ولكن يجوز النزول عنه بمال».