حكم المصافحة بين الرجال والنساء

السؤال
يقع السؤال عما تتناقله الألسن من إجازة بعضهم للمصافحة بين الرجال والنساء، فما هو حكمه؟
الإجابة
أقول وبالله التوفيق: إنه لا غرابة في هذا الزمان فيما يقع من الفتاوى العجيبة التي حللت الربا وأباحت الزنا وملامسة النساء والاختلاط بهنّ وخروجهنّ كاسيات عاريات، وما ذلك إلا لترك منهج سلفنا في أخذ الأحكام الشرعية، حتى نصب هؤلاء المعاصرون أنفسهم مجتهدين في الشرع، فحللوا وحرموا كما شاءوا دون ضوابط يقفون عندنا. ولا سبيل لمن أراد النجاة في دينه إلا التمسك بعرى الإسلام المنقولة لنا من خلال هذه المذاهب الفقهية المعتمدة لدى أمة الإسلام، فالحلال والحرام أمر عظيم لا بد في معرفته من طريق قويم يتمثل في المدارس الفقهية المعروفة، بخلاف الوعظ والتذكير فلا ضير في أخذه من كل مَن كان له تأثير على القلب والنفس، ولذلك على المرء أن لا يأخذ الأحكام الفقهية عن كل أحد إلا إذا علم أن له مشرباً فقهياً يلتزمه كأن يكون حنفياً أو شافعياً أو مالكياً أو حنبلياً؛ لأن هذه هي مناهج تلقي الأحكام الشرعية على مدار القرون السابقة، وبذلك نستطيع أن نتخلص من هذه الفوضى والتخبط الفقهي الذي نعيشيه في حياتنا، فكثير من الطلبة والناس صاروا يتشككون في كثير من الأحكام الشرعية؛ لكثرة ما يرون فيها الاضطراب والتشويش والتشكيك. إذا تمهد لك ذلك فإن المعاصرين تخبطوا في هذه المسألة كغيرها من المسائل حتى خرقوا فيها إجماع الأمة فلا يعرف أحد قبل النبهاني ومحمد الغزالي والقرضاوي وعبد الحليم أبو شقة وتبعهم من تبعهم الدكاترة وغيرهم في القول بجواز المصافحة بين الرجل والمرأة كما في حكم مصافحة المرأة ص165-167 رغم أن الأدلة في ذلك ظاهرة جلية لكلِّ صاحب بصير، إلا أن ساداتنا الفقهاء فرَّقوا بين الشابة والشابة والعجوز والشيخ الكبير، وخلاصة ذلك مع الدليل: أولاً: لا تحل المصافحة بين الشاب والشابة وإن أمن كل منهم شهوته، كما في المبسوط 10: 155، والبدائع 5: 123، وفتح القدير 10: 25-26، والبحر الرائق 8: 219، لما يلي: 1.عن عائشة رضي الله عنها قالت:(كانت المؤمنات إذا هاجرن إلى رسول الله  يمتحن بقول الله :{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ}[ الممتحنة: من الآية12]… وكان رسول الله  إذا أقررن بذلك من قولهنّ، قال لهن رسول الله : انطلقن فقد بايعتكن، ولا والله ما مست يد رسول الله  يد امرأة قط غير أنه يبايعهن بالكلام، قالت عائشة: والله ما أخذ رسول الله  على النساء قط إلا بما أمره الله تعالى وما مست كف رسول الله  كف امرأة قط وكان يقول لهن إذا أخذ عليهن: قد بايعتكن كلاماً) في صحيح مسلم 3: 1489، وصحيح البخاري 5: 2025 . 2.عن أميمة بنت رقيقة  قالت: (أتيت رسول الله  في نسوة يبايعنه، فقلن: نبايعك يا رسول الله على أن لا نشرك بالله شيئاً…، فقال رسول الله : فيما استطعتن وأطقتن، قالت فقلت: الله ورسوله أرحم بنا من أنفسنا، هلم نبايعك يا رسول الله فقال رسول الله : إني لا أصافح النساء، إنّما قولي لمئة امرأة كقولي لامرأة واحدة) في صحيح ابن حبان 10: 417، والمجتبى 7: 149، والموطأ 2: 982، ومسند أحمد 6: 357. 3.عن معقل بن يسار  قال : (لأن يطعن في رأس رجل بمِخَيط من حديد خير له من أن تمسّه امرأة لا تحل له) في المعجم الكبير 20: 211، 212، ومسند الروياني 2: 323، قال المنذري في الترغيب والترهيب 3: 26: رجال الطبراني ثقات رجال الصحيح. 4.عن طاووس : (أن النبي  حين بايع الناس، قال: إني لا أصافح النساء فلم تمس يده يد امرأة منهن إلا امرأة يملكها) في الجامع لمعمر بن راشد 11: 331، ومصنف عبد الرزاق 6: 8، وغيرهما. قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري 13: 204: رواه إسحاق بن راهويه بسند حسن. 5.عن أسماء بنت يزيد رضي الله عنها، قالت: (أنا من النسوة اللاتي أخذ عليهن رسول الله ، قالت: وكنت جارية ناهداً جريئة على مسألته فقلت: يا رسول الله ابسط يدك حتى أصافحك فقال: إني لا أصافح النساء ولكن آخذ عليهن ما أخذ الله عليهن) في المعجم الكبير 24: 163، 180، وفي لفظ: (فمالت فمدت يدها لتبايعه، فقبض يده، فقال: إني لا أصافح النساء…) في المعجم الكبير 24: 182. 6.عن أبي هريرة ، قال : (كل ابن آدم أصاب من الزنا لا محالة، فالعين زناؤها النظر واليد زناؤها اللمس والنفس تهوى أو تحدث ويصدقه أو يكذبه الفرج) في صحيح ابن خزيمة 1: 20، وصحيح ابن حبان 10: 269، وشعار أصحاب الحديث ص37، قال الإمام النووي في شرح صحيح مسلم16: 206: معنى الحديث أن ابن آدم قدر عليه نصيب من الزنا، فمنهم من يكون زناه حقيقياً بإدخال الفرج في الفرج الحرام، ومنهم: من يكون زناه مجازاً بالنظر الحرام أو الاستماع إلى الزنا وما يتعلق بتحصيله أو بالمس باليد بأن يمس أجنبية بيده أو يقبلها. 7.عن أبي هريرة ، قال : (العينان تزنيان، واللسان يزني، واليدان تزنيان، والرجلان تزنيان، ويحقق ذلك الفرج أو يكذبه) في صحيح ابن حبان 10: 267، ومسند الشاشي 1: 381، ومسند أحمد 1: 412، قال ابن القطان في أحكام النظر ص16: حديث صحيح. 8.عن أم عطية رضي الله عنها، قالت: (بايعنا النبي  فقرأ علينا: {أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً} ونهانا عن النياحة، فقبضت امرأة منا يدها، فقالت: فلانة أسعدتني وأنا أريد أن أجزيها فلم يقل شيئاً، فذهبت ثم رجعت) في صحيح البخاري 6: 2637. ودفع شرَّاح صحيح البخاري كالكرماني والحافظ ابن حجر في فتح الباري13: 204 وبدر الدين العيني في عمدة القاري 24: 277 والعسقلاني في إرشاد الساري 10: 268 توهم أن يراد بلفظ: فقبضت امرأة منا يدها؛ المصافحة بالمس، بأن معنى فقبضت: أي لم تبايع وانسحبت ثم رجعت للمبايعة، فهو مجاز وكناية عن التأخر في المبايعة والقبول كما في حكم المصافحة والمس ص122-123، ويؤيد هذا المعنى قول أم عطية: (فذهبت ثم رجعت)، أو كن يشرن باليد عند المبايعة دون الملامسة، أو أن يكون بحائل من ثوب ونحوه. 9.عن أم عطية رضي الله عنها، قالت: (لما قدم رسول الله  المدينة جمع نساء الأنصار في بيت فأرسل إلينا عمر، فقام على الباب فسلَّم علينا فرددنا عليه السلام، ثم قال: أنا رسول رسول الله  إليكن قالت: فقلنا: مرحباً برسول الله وبرسول رسول الله  فقال: تبايعنني على أن لا تشركن بالله شيئاً ولا تزنين ولا تسرقن… قالت: فقلنا: نعم، قالت: فمد يده من خارج البيت ومددنا أيدينا من داخل البيت، ثم قال: اللهم اشهد) في صحيح ابن حبان 7: 317، ومسند البزار 1: 374، ومسند أحمد 5: 85، وشعب الإيمان 7: 21: أي مدّ يده إليهن من بعيد وهو خارج البيت وهنّ داخله دون أن تحصل مصافحة أو لمس كما في حكم المصافحة ص123 . 10.إن البلوى التي تتحقق في النظر لا تتحقق في المسّ، وإن حل النظر للضرورة، ولا ضرورة إلى المس، وإن المسّ في بعث الشهوة وتحريكها فوق النظر، وإباحة أدنى الفعلين لا يدل على إباحة أعلاهما كما في المبسوط 10: 155، والبدائع 5: 123، وفتح القدير 10: 25-26، والبحر الرائق 8: 219. ثانياً: إن كانت عجوزاً لا تشتهى فلا بأس بمصافحتها ومسّ يدها، أو كان هو شيخاً يأمن على نفسه وعليها فلا بأس بأن يصافحها، وإن كان لا يأمن عليها أن تشتهي لم يحل له أن يصافحَها فيعرضها للفتنة كما لا يحل له ذلك إذا خاف على نفسه؛ لأن الحرمة لخوف الفتنة، فإذا كانت ممَّن لا تشتهى فخوف الفتنة معدوم؛ لانعدام الشهوة كما في المبسوط 10: 155، والبدائع 5: 123، والتبيين 6: 18، والهداية 10: 25، وفتح القدير 10: 25-26، والبحر الرائق 8: 219، والدر المختار 6: 367-368. وهذا التفريق في الحكم بين الشابة والعجوز والشاب والشيخ الكبير؛ لأن الله  فرق بينهما في هذا فرخص للعجائز وضع حجابهن؛ لانتفاء الفتنة والشهوة بهن، قال :{وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحاً فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ} [النور:60]. ورخَّص  للمرأة أن تظهر زينتها للشيخ الكبير بخلاف الشاب؛ لانتفاء الشهوة والفتنة معه، قال :{أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الأِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ} [النور: من الآية31]. أما الصغيرة إذا كانت لا تشتهى فيباح مسّها والنظر إليها؛ لعدم خوف الفتنة كما في الهداية 10: 25، والله أعلم.
imam icon

أرسل سؤالك إلى المساعد الذكي

إذا لم تكن الإجابات السابقة مناسبة، يرجى إرسال سؤالك إلى المفتي عبر