حكم الجمع بين الصلوات

السؤال
يقع السؤال كثيراً عن حكم الجمع الذي يحصل في فصل الشتاء في المساجد فما حكمه؟
الإجابة
أقول وبالله التوفيق: إن ابتعاد المسلمين عن تعلم أحكام دينهم أوقعهم في الورطة الظلماء، فإن تعلم ما لا بدّ للمسلم منه من أحكام الطهارة والصلاة وغيرها فرض عين، لا يعذر المسلم بجهله، فكثير من هذا الجمع الواقع في مساجدنا لا يجوِّزه أحد من مجتهدينا المعتبرين؛ إذ لا يجوز الجمع بغير عذر، قال ابن قدامة الحنبلي في المغني 2: 59: « قد أجمعنا على أن الجمع لا يجوز لغير عذر». وحديث ابن عباس : (صلى رسول الله  الظهر والعصر جميعاً بالمدينة بلا خوف ولا سفر، قال أبو الزبير: فسألت سعيداً لم فعل ذلك؟ فقال: سألت ابن عباس كما سألتني فقال: أراد أن لا يحرج أحداً من أمته) في صحيح مسلم 1: 490، فهذا الحديث الذي يحتج به كثير من العامة غير معمول بظاهره عند سادتنا الفقهاء المعتد بهم؛ لعموم أخبار التوقيت، قال الحافظ الترمذي في علله 1: 323: « جميع ما في هذا الكتاب من الحديث معمول به، وقد أخذ به بعض أهل العلم ما خلا حديثين: حديث ابن عباس  إن النبي  جمع بين الظهر والعصر بالمدينة...». ولذلك رأينا العلماء أولوه على وجوه منها: 1.أنه لا يكون ذلك إلا في الجمع الصوري بين الصلوات بأن يصلى الظهر في آخر وقته، والعصر في أول وقته، وكذا فعل بالمغرب والعشاء، فيصير جامعا فعلاً لا وقتاً، وهذا مذهب السادة الحنفية، وأولوا ما جاء في بعض الآثار من الجمع إن صحت على ذلك. قال العلامة الزيلعي في تبيين الحقائق1: 89: « ويحمل تصريح الراوي بخروج وقت الأولى على أنه تجوز لقربه منه كقوله : {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ} [الطلاق: 3]: أي قاربن بلوغ الأجل؛ إذ لا يقدر على الإمساك بعد بلوغ الأجل، أو يحمل على أن الراوي ظن ذلك، أو ظنّ الراوي أنهما وقعا في وقت واحد، والدليل على صحة هذا التأويل ما سبق ذكره عن ابن عمر وعلي ومثله عن جابر وأبي عثمان وغيرهم ». 2.أنه يحمل على الجمع لأجل المرض، وهو قول عطاء، ومالك والحنابلة كما في المغني 2: 59. إذا تبين لك ذلك فاعلم أن للفقهاء في الجمع مذاهب، إذ ذهب الحنفية إلى عدم جواز الجمع بين صلاتين في وقت واحد بسبب العذر من سفر أو مطر أو برد أو مرض أو غيرها إلا في عرفة ومزدلفة، ويجوز الجمع بينهما فعلاً بأن يصلى كل واحدة منهما في وقتها، فيصلي الأولى في آخر وقتها، والثانية في أول وقتها، فإنه جمع في حق الفعل، وإن لم يكن جمعاً في الوقت، بدليل: أ.النصوص القرآنية والحديثية الواردة بتعيين الأوقات فلا يجوز تركها إلا بدليل مثلها، ومنها: قال :{أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} [الإسراء: 78]، وقال : {إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً} [النساء: 103]، وقال :{حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ}[البقرة: 238]، وعن أبي ذر قال : (صلِّ الصلاة لوقتها)في صحيح مسلم 1: 448، وغيرها. ب.عن ابن مسعود  قال: (ما رأيت رسول الله  صلى صلاة إلا لميقاتها إلا صلاتين صلاة المغرب والعشاء بجمع وصلى الفجر يومئذ قبل ميقاتها) في صحيح مسلم 2: 938، وصحيح البخاري 2: 604. ج.عن ابن مسعود  قال : (كان رسول الله  يصلي الصلاة لوقتها إلا بجمع وعرفات) في سنن النسائي الكبرى 2: 423، والمجتبى 5: 254، وإسناده صحيح، كما في إعلاء السنن 2: 84. د.عن عائشة رضي الله عنها، قالت: (كان رسول الله  في السفر يؤخر الظهر ويقدم العصر ويؤخر المغرب ويقدم العشاء) في شرح معاني الآثار 1: 164، ومسند أحمد 6: 135، وإسناده حسن، كما في إعلاء السنن 2: 85. هـ.عن نافع وعبد الله بن واقد إن مؤذن ابن عمر ، قال: (الصلاة. قال: سر سر حتى إذا كان قبل غيوب الشفق نزل فصلى المغرب، ثم انتظر حتى غاب الشفق وصلى العشاء، ثم قال: إن رسول الله  كان إذا عجل به أمر صنع مثل الذي صنعت) في سنن أبي داود 2: 6، وسنن البيهقي الكبير 1: 114، وسنن الدارقطني 1: 393، وإسناده صحيح كما في إعلاء السنن 2: 85. و.عن علي : (إنه كان إذا سافر سار بعدما تغرب الشمس حتى تكاد أن تظلم، ثم ينزل فيصلي المغرب، ثم يدعو بعشائه فيتعشى، ثم يصلي العشاء، ثم يرتحل ويقول هكذا كان رسول الله  يصنع) في سنن أبي داود 2: 10، والأحاديث المختارة 2: 312، وإسناده صحيح كما في إعلاء السنن 2: 86. ز.عن نافع  قال: (خرجت مع عبد الله بن عمر في سفر ... وغابت الشمس ... فلما أبطأ قلت: الصلاة يرحمك الله، فالتفت إلي ومضى حتى إذا كان في آخر الشفق نزل فصلى المغرب، ثم أقام العشاء وقد توارى الشفق فصلى بنا، ثم أقبل علينا فقال: إن رسول الله  كان إذا عجل به السير صنع هكذا) في سنن النسائي 1: 490، والمجتبى 1: 287، وإسناده صحيح كما في إعلاء السنن 2: 88، والتبيين 1: 88. قال عبد الحق: « وهذا نص على أنه صلَّى كل واحدة منهما في وقتها» كما في تبيين الحقائق 1: 88. ح.إن التأخير حتى يخرج وقت الأولى ويدخل الثانية تفريط فعن أبي قتادة ، قال : (إنه ليس في النوم تفريط، إنما التفريط على مَن لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت الصلاة الأخرى) في صحيح مسلم 1: 473، وصحيح ابن خزيمة 2: 95. وما ذهب إليه الحنفية هو الأسلم والأحوط لصراحة النصوص القرآنية والحديثية في أن لكل صلاة وقتها، وقد أنكر الإمام البخاري جمع التقديم، كما في معارف السنن 2: 161؛ لعدم ثبوته ومعارضته للنصوص. ومع ذلك فإن أصحاب المذاهب الأخرى الذين أجازوا الجمع جعلوا له شروطاً لا يصح بدونها، فعند الشافعية كما في المهذب 4: 253-254: « يجوز الجمع بين الصلاتين في المطر في وقت الأولى منهما، فإذا دخل في الظهر من غير مطر، ثم جاء المطر لم يجز له الجمع؛ لأن سبب الرخصة حدث بعد الدخول فلم يتعلق به. فإن أحرم بالأولى مع المطر ثم انقطع في أثنائها ثم عاد قبل أن يسلم ودام حتى أحرم بالثانية جاز الجمع؛ لأن العذر موجود في حال الجمع، وإن عدم فيما سواها من الأحوال لم يضر؛ لأنه ليس بحال الدخول، ولا بحال الجمع، ولا يجوز الجمع إلا في مطر يبل الثياب، وأما المطر الذي لا يبل الثياب فلا يجوز الجمع لأجله؛ لأنه لا يتأذى به، وأما الثلج فإن كان يبل الثياب فهو كالمطر، وإن لم يبل الثياب لم يجز الجمع لأجله، فأما الوحل والريح والظلمة والمرض فلا يجوز الجمع لأجلها فإنها قد كانت في زمان النبي  ولم ينقل أنه جمع لأجلها. ويشترط في الجمع: أن ينوي الجمع، وأن يقدم الأولى ثم يصلي الثاني، وأن لا يفرق بينهما، فإن فصل بينهما بفصل طويل بطل الجمع، وإن فصل بينهما بفصل يسير لم يضر». وعند المالكية كما في شرح الخرشي2: 70: « إنه يجمع بين المغرب والعشاء فقط؛ لأجل المطر الغزير، وهو الذي يحمل الناس على تغطية الرأس، أو الطين الذي يمنع المشي بالمداس مع ظلمة الشهر لا الغيم، ومثل المطر الثلج والبرد ولا يجوز الجمع المذكور لأجل طين فقط ولا لأجل ظلمة ولو مع ريح شديد». وعند الحنابلة كما في كشاف القناع 2: 7: « ويجوز الجمع بين العشاءين لا الظهرين لمطر يبل الثياب أو يبل النعل أو البدن، وتوجد معه مشقة، ولا يباح الجمع لأجل الظل، ولا لمطر خفيف لا يبل الثياب على المذهب؛ لعدم المشقة، و يجوز الجمع بين العشاءين دون الظهرين ( لثلج وبرد؛ لأنهما في حكم المطر، ويجوز الجمع بين العشاءين لجليد؛ لأنه من شدة البرد ووحل وريح شديدة باردة، وزاد في « المذهب» و« المستوعب» و« الكافي»: مع ظلمة». وحاصل المقام أنه ينبغي للمسلم أن يحترز لدينه فإن كثيراً من الجمع الذي يقع في مساجدنا اليوم لا يصح على مذهب من المذاهب، وبالتالي تكون الصلاة باطلة، وعليه قضاؤها، فالجمع بين الظهر والعصر لا يصح إلا عند السادة الشافعية وعندهم لا يكون الجمع إلا في المطر، أما في المغرب والعشاء فيصح عند الشافعية والمالكية والحنابلة بالشروط السابقة عند كلٍّ منهم، أما عند السادة الأحناف فلا يصح الجمع، وهو الأحوط والأسلم لا سيما أن الناس لا يقفون عند الحدود والشروط التي اشترطها الفقهاء، فيقع المحذور وتبطل الصلاة، وقد وقفت فيما سبق على قوة دليلهم. والله أعلم.
imam icon

أرسل سؤالك إلى المساعد الذكي

إذا لم تكن الإجابات السابقة مناسبة، يرجى إرسال سؤالك إلى المفتي عبر