الإجابة
أقول وبالله التوفيق: لا يجوز الجمع بين صلاتين في وقت واحد بسبب العذر من سفر، أو مطر، أو برد، أو مرض، أو غيرها، إلا في عرفة ومزدلفة، وهي الظهر والعصر بعرفات جمع تقديم، والمغرب والعشاء بالمزدلفة جمع تأخير، ويجوز الجمع بين صلاتين فعلاً بأن صلى كل واحدة منهما في وقتها، بأن يصلي الأولى في آخر وقتها، والثانية في أول وقتها، فإنه جمع في حق الفعل، وإن
لم يكن جمعاً في الوقت.
وحجة ذلك: ما يلي:
أولاً: النّصوص القرآنية والحديثية الواردة بتعيين الأوقات، فلا يجوز تركها إلا بدليل مثلها، ومنها: قال جل جلاله: {أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} الإسراء: 78، وقال جل جلاله: {إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً} النساء: 103، وقال جل جلاله: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ} البقرة: 238، وعن أبي ذر قال : «صلِّ الصلاة لوقتها»، في صحيح مسلم 1: 448، وغيرها من النّصوص.
ثانياً: عن ابن مسعود قال: «ما رأيت رسول الله صلّى صلاة إلا لميقاتها، إلا صلاتين صلاة المغرب والعشاء بجمع، وصلى الفجر يومئذ قبل ميقاتها»، في صحيح مسلم 2: 938، وصحيح البخاري 2: 604.
ثالثاً: عن ابن مسعود قال : «كان رسول الله يصلّي الصلاة لوقتها إلا بجمع وعرفات»، في سنن النسائي الكبرى 2: 423، والمجتبى 5: 254، وإسناده صحيح كما في إعلاء السنن 2: 84.
رابعاً: عن نافع وعبد الله بن واقد إن مؤذن ابن عمر قال: «الصلاة، قال: سر سر حتى إذا كان قبل غيوب الشفق نزل فصلى المغرب، ثم انتظر حتى غاب الشفق وصلى العشاء، ثم قال: إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا عجل به أمر صنع مثل الذي صنعت»، في سنن أبي داود 2: 6، وسنن البيهقي الكبير 1: 114، وسنن الدارقطني 1: 393، وإسناده صحيح كما في إعلاء السنن 2: 85.
خامساً: عن عليّ : «إنّه كان إذا سافر سار بعدما تغرب الشمس حتى تكاد أن تظلم، ثم ينزل فيصلي المغرب، ثم يدعو بعشائه فيتعشى، ثم يصلي العشاء، ثم يرتحل ويقول هكذا كان رسول الله يصنع»، في سنن أبي داود 2: 10، والأحاديث المختارة 2: 312، وإسناده صحيح كما في إعلاء السنن 2: 86.
سادساً: عن نافع قال: «خرجت مع عبد الله بن عمر في سفر ... وغابت الشمس ... فلما أبطأ قلت: الصلاة يرحمك الله، فالتفت إلي ومضى حتى إذا كان في آخر الشفق نزل فصلى المغرب، ثم أقام العشاء وقد توارى الشفق فصلى بنا، ثم أقبل علينا فقال: إن رسول الله كان إذا عجل به السير صنع هكذا»، في سنن النسائي 1: 490، والمجتبى 1: 287، وإسناده صحيح كما في إعلاء السنن 2: 88، والتبيين 1: 88، قال عبد الحق: «وهذا نصٌّ على أنّه صلَّى كل واحدة منهما في وقتها».
سابعاً: إنَّ التَّأخير حتى يخرج وقت الأُولى ويدخل الثّانية تفريط؛ فعن أبي قتادة رضي الله عنه قال : «إنَّه ليس في النَّوم تفريط، إنَّما التَّفريط على مَن لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت الصلاة الأخرى»، في صحيح مسلم 1: 473، وصحيح ابن خزيمة 2: 95.
ثامناً: عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان رسول الله في السَّفر يؤخّر الظّهر ويقدّم العصر، ويؤخّر المغرب ويقدّم العشاء»، في شرح معاني الآثار 1: 164، ومسند أحمد 6: 135، وإسناده حسن. ينظر: إعلاء السنن 2: 85.
تاسعاً: عن ابن عباس قال: «صلّى رسول الله الظّهر والعصر جميعاً بالمدينة بلا خوف ولا سفر، قال أبو الزبير: فسألت سعيداً لم فعل ذلك، فقال: سألت ابن عباس كما سألتني فقال: أراد أن لا يحرج أحداً من أمته»، في صحيح مسلم 1: 490، ولا يكون ذلك إلا في الجمع الصّوري، والله أعلم.