الإجابة
يكون بثبوت الحقّ بأن يشرب أرضه من الماء مثلاً، وحق المسييل يكون في إمرار الماء من أرضه أو سطه، فإذا اشتري مع الأرض: أي بيع الأرض مع حق شربها جاز تبعاً بالإجماع، وإن بيع منفرداً جاز في رواية، وهو مشايخ بلخ؛ لأنه نصيب من الماء، ولم يجز في الأخرى، وهو اختيار أهل بخارى؛ للجهالة، كما في غمز العيون1: 36.
فرواية الجواز مبنيةٌ على البيع واقع على قدر من الماء، فجاز بيعه، ورواية عدم الجواز مبنية على كون هذا القدر من الماء مجهولاً، فيفضي للنزاع، ومحلّ العقد الماء، وهو عين، ويعدّ مالاً، ودخله الفساد بسبب الجهالة، قال قاضي خان في شرح الزيادات2: 732: «حق الشرب حق يتعلق بما هو مال محل للبيع، وهو رقبة النهر، وإنما لا يجوز بيعه لمكان الجهالة، حتى لو كان عقداً تتحمل فيه الجهالة كالوصية والوقف يجوز، ويدخل فيه».
فكلام قاضي خان صريحٌ أن الجهالة إن كانت تتحمل بمعنى لا ينازع فيها، فالعقد جائز.
ولما كان الماء متجدداً شيئاً فشيئاً، فيكون فيه شبه بالمعدوم، فيبطل؛ لأن البائع باع شيئاً لا يملكه؛ لأنه على ملك مَن باعه، فإن أذن له بائعه الأول بالبيع جاز؛ لأنه باع شيئاً مأذوناً ببيعه، بخلاف ما لو باع الشرب مع الأرض، فيكون داخلاً في بيع الأرض، وهذا هو القياس هنا على تقرره القواعد، وهذا ما ذكره أبو جعفر، «لا يجوز البيع في الشرب إلا أن يجيزه البائع الأول؛ لأنّ المشتري الأول لم يملك الشرب بالشراء والقبض؛ لأن بيع الشرب بيع لا يقع على موجود، ألا ترى أنه لو باع الأرض والشرب جاز البيع، وإن كان الماء منقطعاً وقت البيع، وإنما يقع البيع في الماء على ما يحدث وقتاً بعد وقت، فإذا لم يشتر شيئاً موجوداً لا يملكه بالقبض، فلا يجوز بيعه ثانياً؛ لأنه على ملك البائع الأول»، كما في فتاوى قاضي خان5: 165.
ورَدَّ هذا قاضي خان بأن البيع لشيء غير مقبوض يكون فاسداً لا باطلاً؛ لكون الشرب محلاً للعقد، ولعلَّ الفساد دخله من جهة الجهالة، فقال في فتاوى الخانية5: 165: «وعندي هذا الجواب مشكل، وينبغي أن يكون حكم البيع الأول في الشرب حكم بيع فاسد لا حكم بيع باطل؛ لأن بيع الشرب وحده وإن كان لا يجوز في ظاهر الرواية، يجوز في رواية، وبه أخذ بعض المشايخ، وقد جرت العادة ببيع الشرب في بعض البلدان، فكان حكمه حكم البيع الفاسد، والمبيع بيعاً فاسداً يملك بالقبض، فإذا باعه بعد القبض وجب أن يجوز، ويؤيد هذا ما ذكر في «الأصل»: رجل باع الشرب بعبد وقبض العبد وأعتقه جاز عتقه ولو لم يكن الشرب محلاً للبيع لما جاز عتقه، كما لو اشترى عبدا بميتة أو دم وقبضه لا يجوز عتقه». وينظر: النهر3: 430، والعقود الدرية2: 217.
وسواء عُلِّل الفساد بالجهالةِ أو بالحدوث شيئاً فشيئاً، فإنه جائزٌ في رواية، وأخذ بها المشايخ، وجرت العادة عليها، كما صرَّح قاضي خان والسرخسي، فكان العملُ للجواز لزوال الجهالة واعتبار المعدوم فيه في حكم الموجود، كما الحال في المنفعة، فإنها تحدث شيئاً وشيئاً، وجازت من جهة العرف، واعتبرت في حكم الموجود، حتى لا يكون العقد فيها معدوماً، وهذا كلُّه اعتبر من جهة العرف.
قال شيخنا العثماني في بحوث فقهية معاصرة1: 96: «الذي يظهر بالنظر الدقيق أن الذين منعوا من جواز هذا البيع، مع جريان العرف بذلك، إنما منعوه للغرر والجهالة، لا لكونه ليس مالاً».