الإجابة
أقول وبالله التوفيق: التّشبه هو المماثلةُ لهم في فعل أو قول دينيّ أو دنيويّ، وهو على نوعين:
الأول: التَّشبُّه الممدوح: وهو مماثلتُهم فيما لا يكون شعاراً لهم قصداً ولا مستقبحاً، وكان من الأمور المدنية والحياتية.
فما لم يكن شعاراً لهم لا يكون ممنوعاً: كاللباس الذي لا يختصُّ بهم، قال العيني في عمدة القاري13: 47 في شرح: «وأما الظفر فمدى الحبشة»: «المعنى فيه ألا يتشبَّه بهم؛ لأنَّهم كفّار، وهو شعار لهم». وهذا التَّشبُّه الممدوحُ يُحمل عليه ما ورد عن النّبيّ ِ من محبته لموافقةِ أهل الكتاب، فعن ابن عبّاس قال:« كان النبي يُحبُّ موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه، وكان أهل الكتاب يسدلون أشعارهم، وكان المشركون يفرقون رؤوسهم، فسدل النّبي ناصيته، ثمّ فرَّق بعد» في صحيح البخاري4: 189، وصحيح مسلم4: 1817. ومعنى «موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه»: أي بشيء من مخالفته، قال ابن ملك: أي فيما لم ينزل عليه حكم بالمخالفة، كما في مرقاة المفاتيح7: 2817، ولأنَّهم أقرب إلى الحقّ من المشركين عبدة الأوثان، وقيل: لأنَّه كان مأموراً باتباع شريعتهم فيما لم يوح إليه فيه شيء، كما في عمدة القاري16: 111. والمراد بسدل أشعارهم: إرسال الشّعر حول الرَّأس من غير أن يقسم نصفين، نصف من جانب يمينه ونحو صدره، ونصف من جانب يساره كذلك، كما في مرقاة المفاتيح7: 2817.
ومن أمثلة مشابهة النبي للمشركين: أنَّهم كانوا يصومون عاشوراء وكان النّبيّ يصومه، فلم يخالفه طالما أنَّه أمرٌ ممدوحٌ وحسنٌ في نفسه، فعن عائشة رضي الله عنها، قالت: «كان يوم عاشوراء تصومه قريش في الجاهلية، وكان رسول الله يصومه، فلمّا قدم المدينة صامه وأمر بصيامه، فلمّا فُرِضَ رمضان ترك يوم عاشوراء، فمَن شاء صامه ومَن شاء تركه» في صحيح مسلم 2: 792.
ونجد تطبيق التَّشبُّه الممدوح ممن تربت على يد النَّبيّ، من فاطمة الزهراء رضي الله عنها، عندما أخبرتها أسماء بنت عميس رضي الله عنها بحكمة طيبة من صناعة التابوت لدفن الميت، فهو أستر في حقّ المرأة من تفصيل أعضائها، فكان متوافقاً مع الشَّريعة في تحقيق ستر المرأة، فرغبت السيدة فاطمة رضي الله عنها به، وأوصت أن يفعل لها عند موتها.
فعن أم جعفر رضي الله عنها: « أنَّ فاطمة بنت رسول الله قالت: يا أسماء، إني قد استقبحت ما يصنع بالنساء، أنَّه يطرح على المرأة الثوب فيصفها، فقالت أسماء: يا بنت رسول الله ألا أريك شيئاً رأيته بأرض الحبشة، فدعت بجرائد رطبة فحنتها، ثمّ طرحت عليها ثوباً، فقالت فاطمة رضي الله عنها: ما أحسن هذا وأجمله يعرف به الرَّجل من المرأة، فإذا أنا مت فاغسليني أنت وعلي ، ولا تدخلي علي أحداً، فلمّا توفيت رضي الله عنها جاءت عائشة رضي الله عنها تدخل، فقالت أسماء: لا تدخلي، فشكت أبا بكر، فقالت: إنَّ هذه الخثعمية تحول بيني وبين ابنة رسول الله ، وقد جعلت لها مثل هودج العروس، فجاء أبو بكر فوقف على الباب، وقال: يا أسماء، ما حملك أن منعت أزواج النبي يدخلن على ابنة النبي ، وجعلت لها مثل هودج العروس؟ فقالت: أمرتني أن لا تدخلي عليَّ أحداً وأريتها هذا الذي صنعت وهي حيّة فأمرتني أن أصنع ذلك لها، فقال أبو بكر : فاصنعي ما أَمَرَتْك...» في سنن البيهقي الكبير4: 56.
والثاني: التَّشبُّه المذموم: وهو قصدُ مماثلتهم فيما هو من شعارهم ابتداءً وكان مستقبحاً في غير الأمور المدنية، وله الضوابط الآتية:
1.التَّشبُّه بما هو شعارٌ لهم ومختصٌّ بهم، بحيث يتميَّزون به عن غيرهم: قال العيني في عمدة القاري13: 47 في شرح: «وأما الظفر فمدى الحبشة»: «المعنى فيه ألا يتشبَّه بهم؛ لأنَّهم كفّار، وهو شعار لهم»، وسيأتي تفصيله في المبحث الثاني.
2.ألا يكون المتشبه به مما فيه صلاح العباد والخير لهم: كركوب السيارات والطائرات، فهذه من الأمور المدنية لكل البشرية، ولا يختص بها قوم عن قوم، بل ترجع منفتعها لهم جميعاً.
قال ابنُ مازه في المحيط البرهاني 5: 403: « قال هشام: رأيت على أبي يوسف نعلين مخسوفين بمسامير، فقلت: أترى بهذا الحديد بأساً؟ قال: لا، فقلت: إنَّ سفيان وثور بن يزيد كرها ذلك؛ لأنَّ فيه تشبهاً بالرُّهبان، فقال: « كان رسول الله يلبس النِّعال التي لها شعر، وأنَّها من لباس الرُّهبان» فعن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: « إني رأيت رسول الله يلبس النعال التي ليس فيها شعر، ويتوضأ فيها، فأنا أحب أنَّ ألبسهما» في صحيح البخاري5: 2199، وصحيح مسلم2: 844، فقد أشار إلى أنَّ صورة المشابهة فيما تعلَّق به صلاح العباد لا يضرّ، وقد تعلَّق بهذا النَّوع من الأحكام صلاح العباد، فإنَّ الأرض ممَّا لا يمكن قطع المسافة البعيدة فيها إلا بهذا النَّوع من الإحكام»، كما في رد المحتار1: 624، ومنحة الخالق2: 11، والفتاوى الهندية5: 333 .
3.أن يقصد التَّشبُّه بهم، فلا يكفي مجرد صورة المشابهة بالفعل؛ لما له من تأثير على اعتقادِه وتميزه وشعوره بالعزّة، فيفقد حلاوة الإيمان، قال ابن نجيم في البحر الرائق2: 11: « اعلم أنَّ التَّشبُّه بأهل الكتاب لا يُكره في كلِّ شيءٍ، فإنَّنا نأكل ونشرب كما يفعلون، إنَّما الحرام هو التَّشبُّه فيما كان مذموماً وفيما يقصد به التَّشبُّه».
4.أن يكون التَّشبُّه بغير المسلمين ابتداءً قبل أن يصبح عرفاً وعادةً بين المسلمين: كما حصل في لباس البنطال والقميص والبدلة والقرافة وغيرها في هذا الزمان، فمَن لبسها ابتداءً تشبهاً بغير المسلمين، كان واقعاً في التَّشبُّه المنهيّ عنه، لكن فيما بعد أصبحت هي العرف الشَّائع في بلاد العرب عموماً، ولم يَعُد يخطر بالبال عند لبسها التَّشبُّه بالغرب، وإنَّما أصبحت زِيّ المجتمع، قال ابنُ حجر في فتح الباري10: 275: « وإنَّما يصلح الاستدلال بقصّة اليهود في الوقت الذي تكون الطيالسة من شعارهم، وقد ارتفع ذلك فيما بعد، فصار داخلاً في عموم المباح»، فعن أنس بن مالك قال : « يتبع الدجال من يهود أصبهان، سبعون ألفاً عليهم الطيالسة» في صحيح مسلم4: 2266. 5.ألا يكون التَّشبُّه بهم بالفجور والفحشاء والتَّصرُّفات القبيحة: كشرب وأكل المحرمات، وكشف العورات، وإشاعة الفاحشة، قال ابن عابدين في رد ال محتار1: 648: «ويكره التشبه بهم ـ أي النصارى ـ في المذموم وإن لم يقصده».
وأحكام التَّشبُّه كالآتي:
1.يَكفرُ بالتَّشبُّه بقصد التَّعظيم للفعل والاستخفاف في الدِّين، وسببُ هذا الكفر أنَّ الاستخفافَ بالدِّين هو استهزاءٌ بالدِّين، وهذا كفر، قال الجصاص: «الاستهزاء لشيء من الشرائع كفر» في البناية9: 156؛ لقوله تعالى: {قُلْ أَبِاللّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُون} [النور: 65].
2.يجب ترك قصد التشبه بما هو من شعارهم: فيما تحقّقت فيه ضوابط التَّشبُّه المذموم من القصد للتشبه فيما هو من شعار غير المسلمين، وفعله ابتداءً قبل أن يصبح عادة للمجتمع، ولم يكن مما فيه صلاح العباد، حتى لا يقع في الإثم، قال المهدي الحنفي في الفتاوى المهدية 5: 309: «ومعنى فهو منهم: أنَّه كافر مثلهم إن تشبّه بهم فيما هو كفرٌ، كأن عظَّم يوم عيدهم تبجيلاً لدينهم أو لبس زنارهم أو ما هو من شعارهم قاصداً بذلك التشبه استخفافاً بالإسلام، وإلا فهو مثلهم في الإثم لا الكفر».
3.يُستحبُّ ترك المشابهة في حالات: أ.ترك عادة غير المسلمين في يوم أعيادهم ومناسباتهم المشهورة وإن اعتاده المسلمون؛ لما فيه من الشبهة، فلا يماثل النصارى في أعياد رأس السنة في عاداتهم وأفعالهم تنزهاً عن التُهم والشبهات.
ب.ترك التَّقرُّب بعبادة في أيام أعيادهم كالصِّيام، خشية مشابهتهم في تعظيم ذلك اليوم، قال ابنُ مازه في المحيط البرهاني2: 394، وتبيين الحقائق6: 228: «ويُكره صوم النَّيروز والمهرجان إذا تعمّده، ولم يوافق يوماً كان يصومه قبل ذلك». ج. عدم إجابتهم دعواهم في مناسباتهم الخاصة إن كان فيها شيء من شعائر دينهم؛ لما فيه من الموافقة على فعلهم، قال قاضي خان في الخانية 3: 578: «وإذا اتخذ مجوسيّ دعوة لحلق رأس ولده وجز ناصيته فأجاب مسلم وحضر دعوته لا يكون كفراً، والأولى ألا يفعل ولا يوافقهم على مثل ذلك».
وأمّا التهنئة لغير المسلمين بمناسباتهم الدينية، فمن المباحات ما لم يشتمل على ألفاظ متعلقة بالموافقة على اعتقادهم، ويُستحبُّ أن لا يحضر في مكان يظهرون فيها شيئاً من شعائرهم المخالفة لديننا، قال الزرقا في فتاويه ص355-356: « إنَّ تهنئةَ الشَّخص المسلم لمعارفه النصارى بعيد ميلاد السيد المسيح ، هي في نظري من قبيل المجاملة لهم والمحاسنة في معاشرتهم، وإنَّ الإسلامَ لا ينهانا عن مثل هذه المجاملة أو المحاسنة لهم...ومَن يتوهم أنَّ هذه المعايدة لهم في يوم ميلاده حرام؛ لأنَّه ذات علاقة بعقيدتهم في ألوهيته فهو مخطئ، فليس في هذه المجالة أي صلة بتفاصيل عقيدتهم فيه وغلوهم فيها... وإذا عرفنا الرأي الشَّرعي في التهنئة يعرف حكم طباعة البطاقات والمتاجرة بها؛ لأنَّ ما كان من وسائل المباح فهو مباح».
د. ترك ما أَمر النَّبيُّ بمخالفتهم فيه إن بقيت العلّة من النَّهي، وهو التَّشبُّه بهم، بخلاف ما لو أصبح شائعاً معتاداً بين المسلمين دون التفات للتَّشبُّه بهم، كأمر النبي بمخالفة أهل الكتاب في كيفية حفر القبر باللحد لا بالشق تفيد السنية، فعن جرير بن عبد الله قال : « اللحدُ لنا، والشقُّ لأهل الكتاب» في مسند أحمد31: 545، وشرح مشكل الآثار7: 259، وشعب الإيمان6: 163، قال الموصلي في الاختيار1: 96: « ولأنَّه صنيع اليهود، والسنة مخالفتهم». 4.يُباح التَّشبُّه إن لم يتوفر فيه أحد الضَّوابط السَّابقة في التَّشبُّه بغير المسلمين، فإن لم يكن الفعل المتشبه به شعاراً لهم: كاستخدام الكمبيوتر والهاتف، فإنَّه من المباحات إن لم يقصد التشبه بغير المسلمين. والله أعلم.