السؤال
هل صحيح ما يفتى به الحج في عامة أفعال الحاج بأنه لا حرج فيها استناداً لحديث افعل ولا حرج؟
الإجابة
أقول وبالله التوفيق: في كلّ عام بعد وفود الحجيج من مكّة المشرّفة إلى بلادهم نسمع منهم قصصاً وحكايات عديدة فيما يتعلّق بالمخالفات الشرعية التي يقعون فيها من حيث أن يعلمون أو لا يعلمون، ويتساهلون في فعلها، دون إدراك منهم لما يتوقّف عليها من الجزاء.
فتشعر أن بعضهم يظنّ أنه ذاهب في سياحة للترويح والترفيه، وكلّ ما يخالف هذه السياحة يقوم به وإن كان محظوراً، ولا يدرك أنه في عبادة مخصوصة لها شروطها وأركانها وضوابطها الدقيقة التي ينبغي الالتزام فيها، وإلا فقد يفسد حجّه، ويلزمه قضاؤه، أو يجب عليه الجزاء من ذبح شاة، أداء صدقة، والوقوع في الإثم بالحرمة والكراهة بفعل كثير من المخالفات.
وممّا يدلّ على أن الحجّ عبادة شاقّة تحتاج إلى الصبر والعناء دون الترويح والترفيه أن ابنَ عمر ، قال: «قام رجل إلى النبي ، فقال: مَن الحاج يا رسول الله؟ قال: الشعث التفل» في سنن الترمذي(5: 225)، وسنن ابن ماجة(2: 697)، ومصنف ابن أبي شيبة(3: 432)، ومسند البزَّار (1: 286)، قال المنذري في الترغيب(2: 118): إسناده صحيح.
فشعر أشعث: أي تغير وتلبّد لقلّة تعهده بالدهن، ورجل شعث: أي وسخ الجسد، كما في المصباح المنير(ص314)، والتفل أن يترك الطيب حتى يخرج منه رائحة كريحة، كما في المغرب(ص60)، وعلى هذا يحمل قوله: {ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ} [الحج: 29]: أي الوسخ والدرن.
وليس هنا محلّ تفصيل ذلك، وإنما أردت التمهيد به إلى أن في الحجّ محظورات كثيرة ينبغي لمَن حجَّ أن يراعيها ويهتمّ بها وينتبه إليها، وإلا وجب عليها الجزاء والإثم بفعلها، بخلاف ما يفعله بعض الناس بالاغترار بظاهر حديث: «افعل ولا حرج»، فيحملونه على جميع مناسك الحجّ بأن الدين دين يسر على عسر، فيبيح أحدهم لنفسه أن يفعل ما شاء من محرمات الحج بلا مبالاة، وهذا الفهم الخاطئ غير مراد لما يلي:
أولاً: إن لفظ الحديث: عن عبد الله بن عمرو بن العاص ، قال: «وقف رسول الله في حجّة الوداع بمنى للناس يسألونه فجاء رجل، فقال: يا رسول الله لم أشعر فحلقت قبل أن أنحر. فقال: اذبح ولا حرج، ثم جاءه رجل آخر، فقال: يا رسول الله لم أشعر فنحرت قبل أن أرمى؟ فقال: ارم ولا حرج. قال: فما سئل رسول الله عن شيء قدم ولا أخّر إلا قال: افعل ولا حرج» في صحيح مسلم 2: 948، وصحيح البخاري 1: 43.
فهذا الحديث خاص بأفعال يوم النحر من تقديم الرمي أو الذبح أو الحلق أو الطواف على بعضها البعض، وهذه مسألةٌ خلافيةٌ في المذاهب الفقهية، وممّا يدلّ على ذلك قوله : «فما سئل رسول الله عن شيء قُدِّمَ ولا أخّر إلا قال: افعل ولا حرج»، فلا يشمل كلّ أفعال الحاج لورود نصوص أخرى عن رسول الله كما سيأتي تدلّ على حظر كثير من الأفعال.
ثانياً: ورود نصوص قرآنية دالة على وجود محظورات ينبغي تركها والابتعاد عنها، ومنها:
قوله :{فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ} [البقرة: 197]، والرفثُ: هو الجماع أو دواعيه مطلقاً كذكر الجماع بحضرة النساء، أو الكلام الفاحش، والفسوق: المعاصي كلها، والجدال: وهو أن يجادل رفيقه حتى يغضبه بالمنازعة القبيحة، كما في شرح الوقاية ص249. وقوله :{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} [المائدة: 95]، فيحظر على الحج قتل صيد البر....
وقوله :{وَلا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ} [البقرة: 196]، وفيه منع للحاج من حلق شعر رأسه أو تقصيره وكذلك شاربه وإبطه وعانته ورقبته ومحاجمه.
ثالثاً: وروود نصوص في السنة النبوية دالة على محظورات يجب على المحرم ألا يفعلها، ومنها:
1.عن ابن عمر قال : «لا يلبس القُمُص، ولا العمائم، ولا السَّراويلات، ولا البَرَانِس» في صحيح البخاري 2: 653، وصحيح مسلم 2: 834، والبرانس: وهي القلنسوة الطويلة، كما في المصباح ص48، وغيرها. ففيه أن لبس المخيط على الوجه المعتاد محظورٌ ينبغي تركه.
2.عن ابن عباس : « إن رجلاً أوقصته راحلته، وهو محرم فمات، فقال رسول الله : اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبيه، ولا تخمّروا رأسه ولا وجهه، فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً» في صحيح مسلم 2: 866، والمسند المستخرج 3: 298، ففيه أن تغطية الرأس والوجه للحاج لا تجوز.
3.قال : «ولا الخفاف إلا أحد لا يجد نعلين، فليلبس خفين، وليقطعهما أسفل من الكعبين» في صحيح البخاري 2: 653، وصحيح مسلم 2: 834، فإن لبس الخفّ لا يجوز في الحج، وإذا احتاج لذلك فعليه أن يقطعها أسفل من الكعبين، والمقصود بالكعب هنا، هو محلّ ربط شراك الحذاء، فهذا العظمة الناتئة في ظهر الرِّجل لا يجوز تخطيتها، وإلا ارتكب محظوراً، وهذا ما يقع فيه العديد من الحجيج؛ إذ يلبسون في أرجلهم ما يغطيها دون معرفة منهم لذلك، فيحظر لبس الجَوربين وكلّ ما يواري الكعب الذي عند معقد شراك النعل.
4.عن ابن عمر ، قال : «ولا يلبس ثوباً مسّه الورس ولا الزعفران إلا أن يكون غسيلاً» في مسند أحمد 2: 41، وشرح معاني الآثار 2: 136، ورجاله ثقات. ينظر: إعلاء السنن 10: 60، وغيرها، ففيه بيان لترك التطيّب بعد الإحرام.
رابعاً: إن الله ورسوله الكريم أوجبا الجزاء فيما يقع فيه الحاجّ من المحظورات، ولو كان مضطراً لذلك، فعن عن كعب بن عجزة قال: «كنا مع رسول الله بالحديبية، ونحن محرمون، وقد حصرنا المشركون، قال: كانت لي فروة فجعلت الهوام تساقط على وجهي فمرَّ بي رسول الله ، فقال: أيؤذيك هوام رأسك؟ قلت: نعم، قال: وأنزلت هذه الآية {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} [البقرة: 196]، فقال لي رسول الله : صم ثلاثة أيام، أو تصدَّق بفرق بين ستة مساكين، أو انسك ما تيسّر» في صحيح مسلم 2: 859، وصحيح البخاري 4: 1535. فانظر أيها الأخ الكريم إلى هذا النصّ؛ إذ لو لم يكن إلا هو في هذا الباب لكفى في ردّ هذا التساهل بفعل المحظورات، وعدم التزام الجزاء فيها، فها هو رسول الخلق يرى الصحابي الجليل كعب بن حجرة وقد ابتلي بهذه الهوام التي آذته حتى نزلت من رأسه على وجه، ومع ذلك لم يقل له: احلق ولا حرج، أو افعل ما شئت ولا حرج، وإنما صبر رسول الله ، حتى نزل قوله :{فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ}، فأجاز للصحابي أن يحلق رأسه.
وهذه الضرورة لم تكن مانعة من وجوب الجزاء على سيدنا كعب بن عجرة ، فقد أمره الله بالفدية، وهي صيام ثلاثة أيام أو التصدق على ست مساكين بثلاثة صاعات، أو ذبح شاة.
فأين مَن يتوجَّهون إلى بيت الله من التزام هذه الأحكام بالابتعاد عن المحظورات المنصوص عنها في كتب الفقه، ودفع الجزاء اللازم إن وقعوا في واحد منها؛ إذ ما نراه من أفعال الحجيج في هذه الأيام أنه لا يرجع أحد من الحجّ إلا وقد تلبس بعدة محظورات، ولزمته عدّة دماء، بسبب عدم مبالاة وتقصيره إلا مَن رحم الله .
وها هنا ينبغي التنبيه على أمر مهم جداً، وهو أنه لا يمكن الابتعاد عن محظورات الحج إلا بمعرفة أحكامه ومحرماته؛ لئلا يقع فيها، وينبغي للحجيج أن يتعلّموا هذه الأحكام بتلقي الدروس والدورات المناسبة لذلك قبل ذهابهم للحجّ، كما كان حال أصحاب رسول الله ، فإنهم كانوا يعلمون على يدي رسول الله كل صغيرة وكبيرة من الأحكام التي تلزمهم في الحج وغيره.
ويدلّ على ذلك ما روي عن أبي قتادة قال: « كنت يوماً جالساً مع رجال من أصحاب النبي في طريق مكة ورسول الله نازل أمامنا، والقوم محرمون، وأنا غير محرم فأبصروا حماراً وحشياً، وأنا مشغول أخصف نعلي، فلم يؤذنوني به وأحبوا لو أني أبصرته، والتفت فأبصرته، فقمت إلى الفرس فأسرجته، ثم ركبت ونسيت السوط والرمح، فقلت لهم: ناولوني السوط والرمح، فقالوا: لا والله لا نعينك عليه بشيء، فغضبت فنزلت فأخذتهما، ثم ركبت، فشددت على الحمار فعقرته ثم جئت به، وقد مات فوقعوا فيه يأكلونه، ثم إنهم شكوا في أكلهم إياه، وهم حرم، فرحنا وخبأت العضد معي فأدركنا رسول الله فسألناه عن ذلك، فقال : معكم منه شيء. فقلت: نعم، فناولته العضد، فأكلها حتى نفدها، وهو محرم» في صحيح البخاري 2: 908.
فهاهم أصحاب رسول الله يدركون هذه الأحكام الدقيقة فيما يجب على المحرم من عدم جواز صيد البر، ولا الإشارة إليه، ولا الدلالة والإعانة عليه، ويعلمون أنه يجوز للمحرم أن يأكل منه، لقوله : «لحم صيد البر لكم حلال، وأنتم حرم ما لم تصيدوه أو يصاد لكم» في المستدرك 1: 649، وصححه، فلولا أنهم تعلموا ذلك من نبي الله لم يدركوا ذلك ولوقعوا في المحظور.
فالنصيحة الغالية التي أقدمها لإخواننا المسلمين الذين يتوجّهون لزيارة بيت الله أن يتعرفوا أحكام الحجّ ومحظوراته، فإنها من علم الحال الذي يفرض عليهم تعلّمه قبل القيام بهذا النسك العظيم، ولا بدّ أن يكون تعلمهم على أحد المذاهب الفقهية السنية الأربعة؛ لئلا يختلط عليهم الأمر ويرتبكون بين محلل ومحرم، وأن يحذروا كل الحذر من التلبيس بمحظور من حيث يشعرون أو لا يشعرون، وإن وقعوا في ذلك فعليهم أداء ما وجب عليه من الجزاء كما هو مفصل في باب الجنايات من كتب الحج في الفقه، سائلين المولى أن يتقبّل منهم نسكم، ويقرّبهم به إلى رضاه، والله ولي التوفيق.