أقول وبالله التوفيق: عجيب جداً هذا التشدد ونسبته إلى المذهب الحنفي، فهو منه براء، فكتب الحنفية طافحة بجواز شدّ السنّ، ومنع فقهاؤها شدّ السن من الذهب إن أمكن أن يكون من الفضة، قال الرازي في تحفة الملوك: «ولا يشدُّ السنَّ المتحرِّك بالذهب، بل بالفضّة، ولو قطعَ أنفَه أو سقطَ سنّه عوَّضَه بفضة، فإن انتنَ عوضَّه بذهب».
فكان المنع متعلق بالذهب إن لم يكن ضرورة؛ لحرمة الذهب للرجال، لأن استعمال الذهب والفضة حرام إلا للضرورة، وقد زالت بالأدنى، وهو الفضة فلا حاجة إلى الأعلى فبقي على الأصل، وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف ، وقال محمد : يحل بالذهب، وهو رواية عنهما؛ لأن الفضة والذهب من جنس واحد، والأصل الحرمة فيهما، فإذا حل التضبيب بأحدهما حل بالآخر، كما في التبيين 6: 16، ولما روي أن «عرفجة بن أسعد أنه أصيب أنفه يوم الكلاب في الجاهلية فاتخذ أنفاً من ورق فأنتن عليه فأمره النبي أن يتخذ أنفا من ذهب» في سنن النسائي 5: 440، والمجتبى 8: 164، وينظر: والاستيعاب 2: 744، وخلاصة البدر المنير 1: 307، وتلخيص الحبير2: 176.
فكيف يمكن لفقيه أن يمنع من شدّ السن وعلاجه، أليس يسقط فرض الغسل عن العضو عند وجود المرض فيجوز المسح على الجبيرة، بدل غسل العضو، ويسقط غسل الشقاق في الرجل عند وجود الألم، وعلى كلٍّ الاستدلالات لا تحصى جواز ذلك، ولا يوجد ما يمنع الصحة الغسل، ولو كان لنصّ الفقهاء عليها مع كثرة وقوع المسألة، فتكون التلبيسة أ,و التركيب للسنّ لها حكم السن في الغسل، ويسقط غسل ما تحتها، والله أعلم.