الإجابة
أقول وبالله التوفيق: ذكر فقهاؤنا أنه لو اشترى كبشاً على أنَّه نطوح على سبيل الرغبة في هذا، فالبيع فاسد؛ لأنَّ حمل الكبش على النطح صفة محظورة؛ لكونها لهواً، فشرطها في البيع يوجب فساده، كما في الفتاوى الهندية (3: 2-3)، وبدائع الصنائع (5: 169). وهذا الشَّرطُ المحظورُ يُفْسِدُ العقدَ إن اشترط فيه، فإن لم يشترط فيه ولو كان الكبش نطوحاً لا يكون فاسداً، ولا يكره، لأنّه ليس عينه منكراً وإنما المنكر في استعماله المحظور، مثله الديك المقاتل والحمامة الطيارة، كما صرّح بهذه المسائل الزيلعي في التبيين (3: 297)، والعيني في رمز الحقائق (1: 329)، وعمر ابن نجيم في النهر الفائق (3: 268)، وأبو السعود في حاشيته على ملا مسكين (3: 406).
وهذه المسائل مخرجةً على قول أبي حنيفة من أن عينها ليست منكراً كالخمر والمزامير، وإنما يمكن الإفادة منها بأكثر من شيء، فالمنكر هو الاستعمال المحظور لها، إذ المقصود الأصلي منها ليس المعصية، فإن عين الكبش للحم مثلاً النطح عارض، فلا معصية في بيعه وإنما تكون المعصية بفعل المشتري، وهو مختار بفعله، فتنقطع نسبته عن البائع.
وبالتالي فإنّ ضابطَ الإعانة على الحرام على قول أبي حنيفة ، هو:
أن ما قامت المعصية بعينه فمكروه كبيع الخمر والمزامير، ومعنى بعينه: أن عينه منكراً لا تقبل إلا الفعل المحظور.
وأن ما لم تقم المعصية بعينه فغير مكروه، ويطيب أجره، ومعنى ذلك أن عينه ليست منكراً، بأن المقصود الأصلي منها ليس المعصية، وإنما هي أمر عارض يحصل بفعل فاعل مختار فتنقطع نسبته عن البائع أو غيره.
وجاز إجارة بيت ليتخذ كنيسة؛ لأنّ الإجارةَ على منفعة البيت، ولهذا يجب الأجر بمجرد التَّسليم، ولا معصية فيه، وإنما المعصية بفعل المستأجر، وهو مختار فيه لقطع نسبته عنه، كما صرح به المَرغيناني في الهداية (6: 165-166)، والسَّرخسي في المبسوط (16: 38-39)، والزَّيلعي في التبيين (6: 29)، والعَيني في رمز الحقائق (2: 273)، والزَّاهدي في المجتبى (ق357-أ)، وملا مسكين في شرح الكنز (ص302)، والحَصكفي في الدر المختار (6: 391-292)، وشيخي زاده في مجمع الأنهر (2: 529).
أما في الأعمال فيكفي فيما لم تقم المعصية بعينه أن يتوسط فعل فاعل مختار، كما في رعي الخنازير وتعمير الكنيسة، فيجوز أن يقوم به مسلمٌ؛ لأنّه لا معصية في عين العمل، كما صرح به العيني في رمز الحقائق (2: 273) والحصكفي في الدر المختار (6: 391)، وأبو السعود في حاشيته على الكنز (3: 406)، والنحلاوي في الدرر المباحة (ص81).
ويتخرّج على هذا جواز بناء أو إجارة بنك ربوي، أو العمل في البنك الربوي في غير عقود الربا أو الترويج للربا والترغيب فيه، فإنّه لا يجوز؛ لأنّه محرم بنفسه فلا يجوز، بخلاف غيرها من الأعمال، فإنه العمل في نفسه مباح، وهذا على قول أبي حنيفة ، بخلاف قول الصاحبين في الكراهة إن علم بالمعصية ، واختلف ما ذكرته هنا عما ذكره شيخنا العثماني في فقه البيوع (1: 181) في هذه المسألة من الحرمة؛ لأنّه بناها على رسالة والده الشيخ محمد شفيع في الإعانة على الحرام، وقد حصل خلط في رسالته بين قول أبي حنيفة والصّاحبين فصَّلت الكلام عليه في تعليقاتي على رسالة الشيخ محمد شفيع، وكتبت بحثاً خاصّاً في تنقيح المسألة سَميته «خلاصة الكلام في مسألة الإعانة على الحرام»، جمعتُ فيه كلَّ مسائل الحنفية في هذا الباب، وتوصلت فيه إلى الضَّابط المذكور، والله أعلم.