بيع وشرب واستعمال الكحول

السؤال
ما حكم بيع وشرب واستعمال الكحول الطبيعية والصناعية؟
الإجابة
أقول وبالله التوفيق: الكحول تقسم إلى طبيعية وصناعية. الأولى: الطّبيعية، ولها ثلاثة صور: أ.أن تكون مستخرجة من الخمر، وهو نجس بالاتفاق، ويحرم شربه وبيعه إلا لضرورة، قال شيخنا العثماني في فقه البيوع (1: 282): «أما استعمالها للتداوي، فإنّ فتوى المتأخرين من الحنفية على قول أبي يوسف: أن التداوي بالمحرّم يجوز إن عرف أنه فيه شفاء، ولم يعرف دواء آخر، وهذا الحكم عندهم يعم جميع المُحرَّمات حتى الخمر». ب.إن تكون مستخرجة من الأشربة الثّلاثة، وهي العصير ـ أي عصير العنب طبخ فذهب أقل من ثلثيه ثم غلى واشتد وقذف بالزبد ـ، ونقيع التمر ونقيع الزبيب ـ أي إذا نقع في الماء وغلى واشتدّ وقذف بالزَّبد ـ، فإن يحرم شرب قليلها وكثيرها ويُحدُّ في كثيرها، بخلاف الخمر فإنه يحرم ويحد في القليل والكثير. وهذه الأشربةُ يجوز بيعُها، قال السَّرخسي في المبسوط (24: 15): «وهذا لأنّه ليس من ضرورة حرمة التَّناول حرمة البيع، فإنّ الدُّهن النَّجس لا يحلُّ تناوله، ويجوز بيعُه، وكذلك بيع السِّرقين جائزٌ، وإن كان تناوله حراماً، والسِّرقين محرم العين، ومع ذلك كان بيعه جائزاً، فكذلك المنصف، وما أشبهه، وبطلان بيع الخمر عرفناه بالنص الوارد فيه، وما عُرف بالنِّصِّ لا يُلحق به إلا ما يكون في معناه من كلِّ وجه. وهذه الأشربة ليست في معنى الخمر من كلِّ وجهٍ بدليل حكم الحدِّ، وحكم النَّجاسة، فجاز بيعها باعتبار الأصل». وقال المَرغينانيُّ في الهداية (4: 395): «يجوز بيعها، ويضمن متلفها عند أبي حنيفة خلافا لهما فيهما؛ لأنه مال متقوم، وما شهدت دلالة قطعية بسقوط تقومها، بخلاف الخمر». وأمّا نجاستُها فمختلفٌ فيها على ثلاثة روايات، قال ابن نجيم في البحر (1: 242): «فيها ثلاثة روايات: في رواية مغلّظة، وفي أُخرى مخفَّفة، وفي أُخرى طاهرة، ذكرها في «البدائع» بخلاف الخمر، فإنه مغلظ باتفاق الرِّوايات؛ لأن حرمتها قطعية، وحرمة غير الخمر ليست قطعية». وقال المَرغيناني في الهداية (4: 395): «ونجاستها خفيفة في رواية، وغليظة في أخرى، ونجاسة الخمر غليظة رواية واحدة». في القُهُستانيِّ: «وأما سوى الخمر من الأشربة المُحرَّمة فغليظة في ظاهر الرواية، خفيفةٌ على قياس قولهما»، كذا في رد المحتار (1: 320) . فإن كان في استعمالها عموم بلوى جاز، ورُجِّحت رواية الطَّهارة؛ لأنّ للبلوى أثراً في التّخفيف والتّرجيح به. قال الحصكفي في الدر المختار (1: 213): «وفي باقي الأشربة المسكرة غير الخمر ثلاث روايات: التغليظ، والتخفيف، والطهارة، ورجح في «البحر» التغليظ، ورَجَّح في «النّهر» التخفيف». وأَفاد الشيخ عبد الفتاح أبو غدة في هامش فتح باب العناية (1: 258): «أنّه على رواية التخفيف يُعفى عَمّا دون ربع الثوب المصاب أو البدن. وكان العلامة أحمد الزرقا شيخ شيوخنا في حلب يعتمد رواية الطهارة ويُفتي بها، وكان شيخنا العلامة المحقِّق الكوثريّ يقول: المسكر غير الخمر كالاسبرتو يجوز استعماله، ويحرمُ شربُه، ويذكر أنّ هذا مذهب أبي حنيفة ، ولا يَخفى أنّ فتوى هذين الشيخين الجليلين فيها يسرٌ وسماحةٌ للنّاس؛ لشيوع استعمال هذه المادة الهامّة ـ الاسبرتو ـ في كثير من مرافقِ الحياة اليوم، ولا ريب أن التنزّه عن استعمالها لمَن استطاعه أَوْلى لما فيها من اختلاف العلماء في طهارتها، والله أعلم»، وسيأتي تفصيل أدق فيما يتعلق بالكحول الصناعية بعد أسطر فلينتبه له. ج.أن تكون مستخرجة مما سوى الخمر والأشربة الثلاثة، فيباح شربه عند أبي حنيفة أبي يوسف  ما لم يسكر، فيباح شرح قليله ويحرم شرب كثيره، ولا يحدّ فيه، ويحرمُ شرب قليلِه وكثيره عند محمّدٍ  ويحد فيه. واستقرت الفتوى ( ) في مذهب الحنفية على قول محمد  بالحرمة والحدّ في سائر الأشربة المسكرة إن كان مجمعاً للفساق، فلا يحلّ قليلها ولا كثيرها، ويحدّ إن سَكِر منها، وأمّا إن لم تكن مجمعاً للفُسَّاق فتبقى على الأصل من الفتوى بقول الشيخين بجواز شربها ما لم يَسكر منها، وبالتالي العبرة لوجود الكحول فيها، وإنّما العبرة في تحريم الشُّرب اجتماع الفساق عليها للتلهي، قال الحَلبيُّ في التبيين (6: 47): «والكل حرامٌ عند محمد ، وبه يفتى، والخلاف إنما هو عند قصد التقوي، أما عند قصد التلهي فحرام إجماعاً». وقال الزَّيلعيُّ في ملتقى الأبحر (2: 573): «الفتوى في زماننا بقول محمّدٍ، حتى يُحدّ مَن سَكِر من الأشربة المتخذة من الحبوب والعَسل واللَّبن والتين؛ لأن الفُسَّاق يجتمعون على هذه الأشربة في زماننا، ويقصدون السُّكر واللهو بشربها». وأما بيعها فيجوز من باب أولى لجواز بيع الأشربة الثلاثة رغم الاتفاق على حرمتها شربها؛ لما سبق. وأما نجاستها، فعلى قول أبي حنيفة وأبي يوسف  طاهرة، وإنما الحرمة عندهما فيما لو أسكرت، ولو كانت نجسة لما جاز شربها عندهما، وعلى قول محمد  فيتأتى فيها الخلاف السابق من النجاسة والطهارة. وأُفتي بقول مُحمَّد  فيما يتعلَّق بالشُّرب إن اجتمع الفُسَّاق عليها؛ لأنّ السُّكر والتَّلهي صار غَرضاً فيها، وهذه العلّةُ للحُرمة غير موجودة في حكم طهارتها، فتبقى على الطَّهارة على قول الشَّيخين ( ). والثانية: الكحول الصّناعية: إذا تقرَّر ما سبق من التَّفصيل في الكحول الطبيعية من جواز البيع فيما عدا الخمر إلا لضرورة فيه، فإنَّ الصِّناعية ليست فيها جميع المحظورات السابقة، فيجوز بيعُها واستعمالها وشربُها إلا إذا كان في شربها ضررٌ أو أن تكون مجمعاً للفُسَّاق، وبالتالي يجوز استخدامها في الأدوية المختلفة والعطور وغيرها، والله أعلم.
imam icon

أرسل سؤالك إلى المساعد الذكي

إذا لم تكن الإجابات السابقة مناسبة، يرجى إرسال سؤالك إلى المفتي عبر