المسح على الجوربين الخفيفين

السؤال
هل يجوز المسح على الجورب الخفيف؟
الإجابة
أقول وبالله التوفيق: لا يجوز المسح على الجورب الخفيف بالاتفاق في مذاهبنا الأربعة، ولم يعتمدوا على حديث المغيرة بن شعبة : «إن رسول الله  توضأ ومسح على الجوربين والنعلين» في صحيح ابن خزيمة 1: 99، وصحيح ابن حبان 4: 167، وجامع الترمذي1: 167، وصححه، وسنن أبي داود 1: 41، وسنن النسائي الكبرى 1: 92، وسنن ابن ماجة 1: 185؛ لأمور منها: 1. أن القرآن أمرنا بغسل الأرجل، ولا يجوز لنا أن نترك أمراً في القرآن بحديث آحاد. 2.أن المسح على الخفين ثبت بحديث متواتر أو مشهور، كما قال السيوطي في تدريب الراوي2: 179، والأزهار المتناثرة في الأخبار المتواترة فقد رواه سبعون صحابياً، وقد أخرج العيني في كتابه البناية 1: 554، وشرح شرح معاني الآثار عن سبعة وستين صحابياً ، ومثله يزاد به على القرآن، وقال أبو حنيفة: « ما قلت بالمسح على الخفين حتى وردت فيه آثار أضوءُ من الشمس»، وقال أيضا: « أخاف الكفر على من لم يرَ المسح على الخفين»؛ لأنّ الآثارَ التي جاءت فيه كانت في حيِّز التواتر: أي المعنوي، وإن كانت من الآحاد اللفظي، كما في فتح باب العناية 1: 183. 3.أن المسح على الخف استحسان؛ لأن القياس غسل الرجلين، والاستحسان لا يجوز القياس عليه، وإنما يدخل تحته ما يعتبر من أفراده، فالجورب الثخين يجوز المسح عليه إن توفرت فيه شروط المسح على الخف. والخفُّ ما يستر الكعب، كما في شرح الوقاية ص114. والجورب الثخين ما لبس كما يلبس الخفّ من كتان أو قطن أو صوف، أو شعر، أو جوخ، أو غيرها مما تتوفر فيه شروط جواز المسح عليه، كما في شرح الوقاية ص114، وهذا حاصل ما يفهم من كلام ابن عابدين في رد المحتار 1: 179، والنابلسي في نهاية المراد ص388. وشروط المسح على الجوربين: 1) شروط المسح على الخفين من لبسهما على طهارة وستر الكعبين وإمكان متابعة المشي المعتاد عليهما أكثر من فرسخ، واستمساكهما على الرجلين من غير شد، ومنعهما وصول الماء إلى الجسد وغيرها. 2) أن يكون منعلاً أو مجلداً؛ لأنه يمكن مواظبة المشي عليه، والرخصة لأجله فصار كالخفّ، كما في تبيين الحقائق 1: 52. والمنعل: هو الذي وضع الجلد على أسفله كالنعل للقدم في ظاهر الرواية، وفي رواية الحسن: يكون إلى الكعب. ينظر: الإيضاح ق7/ب، والتبيين 1: 52، ونهاية المراد ص389. والمجلد: هوالذي وضع الجلد على أعلاه وأسفله، كما في الإيضاح ق7/ب، والتبيين 1: 52، ونهاية المراد ص389 3) أن يكون ثخيناً إن لم يكن مجلداً أو منعلاً، كما في رد المحتار 1: 179، وحدّ الثخانة ما يلي: أ.أن لا يرى ما تحتهما منهما للناظر. ب.أن لا يكون شفافاً لا يحجب ما وراءه، فلا ينفد الماء منهما، كما في الهدية العلائية ص39، وبدائع الصنائع 1: 10 . ج.أن يستمسك على الساق من غير ربط، كما في الدر المختار 1: 179، ونهاية المراد ص388، والتبيين1: 52. قال الكاساني في بدائع الصنائع 1: 10: « أما المسح على الجوربين، فإن كانا مجلدين أو منعلين يجزئه بلا خلاف عند أصحابنا وإن لم يكونا مجلدين ولا منعلين، فإن كانا رقيقين يشفان الماء لا يجوز المسح عليهما بالإجماع، وإن كانا ثخينين لا يجوز عند أبي حنيفة ، وعند أبي يوسف ومحمد : يجوز. وروي عن أبي حنيفة  أنه رجع إلى قولهما في آخر عمره، وذلك أنه مسح على جوربيه في مرضه، ثم قال لعواده: « فعلت ما كنت أمنع الناس عنه». فاستدلوا به على رجوعه»، وعلى قولهما يُفتى كما في شرح الوقاية ص115، والاختيار 1: 36، وقال إسماعيل النابلسي: والأصح رجوعه كما في المجمع، ودرر البحار، وفي الخلاصة: وعنه أنه رجع، وعليه الفتوى، وفي التبيين1: 52: ويروى رجوع أبي حنيفة إلى قولهما قبل موته بسبعة أيام، وفي النوادر: بثلاثة أيام، وقيل: بسبعة، وعليه الفتوى، ومثله في الذخيرة، وقال الفقيه أبو الليث: وبه نأخذ. كما في نهاية المراد ص388. قال نور الدين عتر في إعلام الأنام شرح بلوغ المرام 1: 187-188: « منع المالكية والشافعية المسح على الجوربين أخذاً بظاهر آية الوضوء، وهو قول الإمام أبي حنيفة أيضاً، ولم يعملوا بحديث المغيرة  هذا في المسح على الجوربين وقد ظهر عذرهم في ذلك واضحاً. إلا أننا نرى إمكان العمل بالحديث إذا رددناه إلى الأصل في المسألة وهو المسح على الخفين، فإذا استوفى الجورب صفات الخف أجزنا المسح عليه، وإلا فليس بجائز، وهذا هو مسلك الإمام أحمد وصاحبي أبي حنيفة أبي يوسف ومحمد وعليه الفتوى في مذهب الحنفية». 4.إن المسح على النعلين لم يقل بجوازه أحد من الأئمة، كما في معارف السنن 1: 347، وأولوا المراد بهذه اللفظة منها ما قاله الطحاوي في شرح معاني الآثار 1: 97: « أنه قد يجوز أن يكون رسول الله  مسح على نعلين تحتهما جوربان وكان قاصداً بمسحه ذلك إلى جوربيه لا إلى نعليه وجورباه مما لو كانا عليه بلا نعلين جاز له أن يمسح عليهما، فكان مسحه ذلك مسحاً أراد به الجوربين، فأتي ذلك على الجوربين والنعلين، فكان مسحه على الجوربين هو الذي تطهر به، ومسحه على النعلين فضل». فهذا يدل على أن ظاهر الحديث غير معمول به. 5. إن هذا الحديث رده كبار الحفّاظ: قال أبو داود في سننه 1: 41: « كان عبد الرحمن بن مهدي لا يحدث بهذا الحديث؛ لأن المعروف عن المغيرة أن النبي  مسح على الخفين». وقال البيهقي: « إنه حديث منكر ضعفه سفيان الثوري وعبد الرحمن بن مهدي وأحمد بن حنبل ويحيى بن معين وعلي بن المديني ومسلم بن الحجاج، والمعروف عن المغيرة حديث المسح على الخفين، ويروى عن جماعة أنهم فعلوه». وقال النووي: «كل واحد من هؤلاء لو انفرد قدم على الترمذي، مع أن الجرح مقدم على التعديل»، وقال: «واتفق الحفّاظ على تضعيفه، ولا يقبل قول الترمذي: «إنه حسن صحيح».» وتمامه في نصب الراية 1: 184، ومعارف السنن 1: 349، وتحفة الأحوذي 1: 278. 6.أنّه مخالف لظاهر القرآن من وجوب غسل الرجلين، فإن مسلم بن الحجاج ضعف هذا الخبر، وقال: «أبو قيس الأودي وهذيل بن شرحبيل لا يحتملان وخصوصاً مع مخالفتهما الأجلة الذين رووا هذا الخبر عن المغيرة فقالوا: مسح على الخفين، وقال: لا نترك ظاهر القرآن بمثل أبي قيس وهذيل»، كما في نصب الراية 1: 184، ومعارف السنن 1: 349، بخلاف المسح على الخفين فإن الأمة تلقته بالقبول لتواتر الرواية به، كما في معارف السنن 1: 350. وقال البنوري في معارف السنن 1: 350-351: « وبالجملة لم يعملوا بإطلاق الحديث، بل كأنهم عملوا بتنقيح المناط في الخف، فأدخلوا فيه ما ذكرنا، وعلى كل حال إن صح حديث الجوربين لم يمكن أن يعمل على إطلاقه الشامل للثخينين والرقيقين لمعارضة القرآن المتلو، نعم عملوا بجزء منه، إما تمسكاً به أو بتنقيح الخف الوارد في المتواتر». 7. أن المسح على الجورب ورد بطريقة واحد عن المغيرة ، وروي عنه بستين طريقاً بالمسح على الخفين، فيكون شذوذاً وخطأً من الراوي، قال البنوري في معارف السنن 1: 350-351: « الحديث يروى عن المغيرة بنحو ستين طريقاً، ولم يذكر لفظ حديث الباب إلا في هذه الطريقة، فكيف يطمئن به القلب، ثم إن عمل قوم من المتساهلين بالمسح على الجوارب الرقيقة ليس له أصل في الشريعة يعتمد عليه، إن كان بهذا الحديث فقد عرفت ما فيه وما قال الأئمة، وإن كان بقول الفقهاء فهم اشترطوا إما التجليد وإما التنعيل، وعلى الأقل الثخانة». 8.الحديث لم يظهر أي صفة للخُفّ، حتى نقول: أنه يفيد المسح على الخفيف؛ لذلك يفسّر بغيره من الأحاديث القائلة بجواز المسح على الخفّ، فيشترط في الجورب ما يشترط في الخف حتى يجوز المسح عليه. قال نور الدين عتر في إعلام الأنام شرح بلوغ المرام 1: 187-188: « تعلق بهذا الحديث بعض أهل العلم وأباح المسح على الجوربين أيا كان حالهما، وأنت إذا تأملت الحديث وجدته يحكي واقعة فعلية لا يوضح لنا تفاصيل صفة ذلك الجورب الذي مسح عليه النبي  ما سمكه؟ ومتانته؟ ولعله أن يكون فوق الخف أو يكون له نعل، ولعله ليس كذلك، ومن المعلوم في أصول الفقه أن الاستدلال بالوقائع الفعلية على معرفة ظروفها وملابساتها. فالحقيقة أن لا يصح الاستدلال بهذا الحديث لما ذهبوا إليه، وإنه لتفريط منهم وتساهل في حق الشريعة، وقد تبين أن المسح على الخفين إنما ثبت بالسنة المتواترة وبانعقاد الإجماع على جوازه... وأنه لا يصح الاستدلال ... على جواز المسح على الجوربين جوازاً مطلقاً لا قيد فيه». والله أعلم.
imam icon

أرسل سؤالك إلى المساعد الذكي

إذا لم تكن الإجابات السابقة مناسبة، يرجى إرسال سؤالك إلى المفتي عبر