العلاقة بين الجنسين قبل الزواج

السؤال
هل يجوز إقامة علاقة بين الراغبين في الزواج مع بعضهم قبل الزواج؟
الإجابة
أقول وبالله التوفيق: يعد هذا الموضوع من أكثر الموضوعات طرحاً في هذه الأيام؛ لما طرأ على حياة المسلمين من تغيّر نتيجة الغزو الفكري الذي نعايشه، حتى غدا هذا الأمر مشكلاً عند غالبية الناس، يكثرون من الاستفسار عنه، مع تقبل عجيب منهم للأفكار المستوردة فيه، واستغراب لتفصيل الإسلام له، وإن هذا الأمر كان في غابر الزمان بدهي للناس لا يحتاج إلى سؤال وجواب؛ لتسليم الناس بأحكام دينهم واعتقاد صدقها وصحتها وثقتهم الكبيرة به. وتحقيقاً للمقصود من بيان النظرة الشرعية للعلاقة بين الجنسين قبل الزواج نضع أصولاً وأسساً متفقة لدى العقلاء لبناء هذا الحكم عليها. الأساس الأول: إن حكمة الله  اقتضت خلق الأرض وإرادة إعمارها بجعل بني الإنساظن خلائف فيها، كل منهم يخلف مَن بعده في القيام بهذا الواجب، {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} [البقرة: 30]، {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ} [الأنعام: 165]، {ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ} [يونس: 14]، {هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْه} [هود: 61]. ولا يمكن حصول هذا الاستخلاف والاستعمار لها؛ إلا بديمومة الجنس البشري فيها، وهو مكوّن كباقي الأجناس من ذكر وأنثى، ولا يحصل التكاثر بينهما إلا بالالتقاء، وهذا الالتقاء يحتاج إلى شوق كل منهما للآخر وميله له وإلا لم يحصل التعاشر بينهما، ولزهدا في بعضهما البعض، ولم يحصل التناسل والتكاثر الذي به يرتبط وجود الإنسان. فحقيقة اشتياق الجنسين لبعضهما أمر لا ينبغي أن يختلف فيه اثنان للحكمة المترتبة عليه، وقد قرّر الله  هذه الحقيقة في مواطن عديدة: 1.أنّه  عدَّ النساء من الشهوات المحبوبة للرجال، فقال: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ} [آل عمران: 14]. 2.أنه عبَّر  عنهما بالنفس الواحدة؛ لتمام الانسجام الحاصل بينهما؛ ولعدم تكامل الإنسان في تلبية حاجياته إلا باجتماعهما، {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً} [النساء: 1]، وقال:{هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً} [الأعراف: 189]. 3.أنه  بيَّن أن السكن والاستقرار والراحة يكون بالتقاء الجنسين، {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً} [الروم: 21]. إذا استحضرنا هذا فإن انتباه واهتمام وميل كل من الجنسين إلى الآخر أمر طبيعي، جبلنا وفطرنا عليه ليستمر الوجود البشري، ولا استنكار لذلك، وإن من أعظم ما تتميّز به الشريعة الربانية المنسجمة مع الفطرة البشرية أنها نظمت العلاقة ما بين هذين الطرفين؛ لأن في ترك اجتماعهما بلا حدود وقيود ما لا تحمد عقباه بتحقق الظلم على البشرية، ومن صوره: 1.إن في اتصالهما لا بد من حصول التوالد الذي من أجله جعل الاشتياق بينهما، وهذا التناسل يحتاج إلى العناية والاهتمام، ولا يكون ذلك حقيقة إلا بوجود أب وأم ينعم في الحياة بينهما حتى تتكامل حاجاته النفسية والعاطفية والجسدية والتربوية مع بعضها البعض. فمهما حاولوا من إيجاد المؤسسات المختصة برعاية أولاد الزنا، فلن توفر لهم ما يمكن أن يوجد لدى الأبوين، إضافة لما يكون عليه من النظرة لمجتمعه عندما يفقد أسمى معاني الحياة من وجود أسرة وأهل، وعندما يعرف أنه كان وليد شهوة عابرة لا مبالية. 2.إن في تقديم المرأة نفسها للرجال بلا مقابل ظلم كبير لها، فكل يقضي وطره منها ويمضي، وهي تتحمل أعباء هذا الحمل الذي لا تعرف ممن حصل، وإن عرفت فلا أحد يستطيع إلزامه بشيء، فبدل أن تقضي مدة الحمل مدللة فرحة بمولود سيأتي لها، تقضيه منغصة مهمومة متعبة فلا أحد يعترف لها به ولا أحد يعينها ويواسيها، ولا أحد يتحمل مشاق تربيته، مما يؤدي بها إلى أن تتخلص منه بأي وسيلة دون أي رحمة يحملها البشر. وهذا غيض من فيض. إذا تمهّد هذا عُلِمَ عظم تشريع الإسلام للتزاوج بين البشر، وأنه الوسيلة الوحيدة لاجتماع هذين الجنسين المشتاقين لبعضهما، وقد شجعت عليه في نصوص كثيرة كما سبق، منها قوله : (يا معشر الشباب مَن استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومَن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء) في صحيح مسلم: 2: 1018، وصحيح البخاري 5: 1950. وفي نفس الوقت الذي يقرر فيه الإسلام هذه الحقيقة بين الجنسين من رغبة كلّ منها الشديدة بالآخر قرر أساس آخر وهو الآتي. الأساس الثاني: إن الإسلام حرص تمام الحرص في تشريعاته على المحافظة على المجتمع أن يبقى طاهراً نقياً بعيداً عن كلِّ أسباب الفساد التي تنتج عن هذا الميل العاطفي والجنسي بينهما، ومن ذلك: 1. أنه أباح الزواج مبكراً: {وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْن} [الطلاق: 4]. 2.أنه أباح التعدد: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاع} [النساء: 3]. 3.أنه أمر بغض البصر بينهما: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ} [النور: 30]، {وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ} [النور: 31]. 4. أنه أمر بحفظ الفروج: {وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ} [النور: 30]، {وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ} [النور: 31]. 5. أنه أمر المرأة بالحجاب والاحتشام: {وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا، وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ} [النور: 31]. 6.أنه حرم عليها التبرج: {وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى} [الأحزاب: 33]. 7. أنّه حرم عليها إبداء زينتها لغير محارمها: {وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ…} [النور: 31]. 8. أنه حرم عليها القيام بأي فعل فيه إثارة لمن حولها ولفت لانتباههم وإن كان ذلك بإخراج صوت عند المشي: {وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى الله جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [النور: 31]. 9.أنّه أمرها بعدم الخروج من بيتها إلا للضرورة والحاجة: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ} [الأحزاب: 33]. ففي ضوء هاتين الحقيقتين العظيمتين: ميل الجنسين، وطهارة المجتمع، يمكننا أن نخوض هذه المسألة الحسّاسة للغاية، وهي هل أجازت الشريعة تكوين علاقة بين الجنسين قبل الزواج؟ إن هذه العلاقة يمكن أن يطلق عليها الحب أو التعارف، فإنهم يقولون: إنه ينبغي لكل مَن يتزوجا أن يكونا متحابين أو أن يقوم كل طرف منهما بدراسة عن الآخر، فيرى هل يناسبه في طبائعه وأحواله وصفاته أم لا؛ لأنهما إن لم يكن بينهما جسور قوية من المحبة أو الانسجام والتوافق في الطبائع والصفات كيف يمكن لهما أن يتعايشا طوال عمرهما مع بعضهما البعض، فإننا إن أردنا أُسراً متماسكة تنعم بالسعادة والهناء فلا بدّ من ذلك. إن هذا الكلام في ظاهره براقٌ وله قبول، لكننا إذا دقَّقنا النظر فيه وجدنا به مسامحات لا تغتفر ومجانبة للحقّ والصواب، وبيان ذلك فيما يأتي: أننا إذا رجعنا إلى معنى الحب في كتب اللغة فإنه نجده بمعنى: الوداد ونقيض البغض كما في القاموس 1: 52، واللسان 1: 742 وإن أردنا أن نخرج بمعنى عام للحبّ نتحاكم إليه، فيمكن القول أنه يدور بين: الاشتياق والميل والرغبة والأنس واللذة والإعجاب. وهذه الأمور متوفرة بين الجنسين بصورة عامة بطبيعة فطرتهما وخلقتهما، فهما يشتاقان لبعضهما البعض، ويميل كل منهما للآخر، ويرغب فيه، ويأنس به، ويتلذذ معه، ويعجب بهيئته. وللإمام الغزالي تقسيم لطيف في المحبوبات وغيرها؛ إذ يقول في الإحياء4: 313-314: «المدركات في انقسامها تنقسم إلى ما يوافق طبع المدرك ويلائمه ويلذه، وإلى ما ينافيه وينافره ويؤلمه، وإلى ما لا يؤثر فيه بإيلام وإلذاذ، فكل ما في إدراكه لذة وراحة فهو محبوب عند المدرك، وما في إدراكه ألم لهو مبغوض عند المدرك، وما يخلو عن استعقاب ألم ولذة لا يوصف بكونه محبوباً ولا مكروهاً، فإذن كل لذيذ محبوب عند الملتذ به، ومعنى كونه محبوباً أن في الطبع ميلاً إليه. ومعنى كونه مبغوضاً أن في الطبع نفرة عنه، فالحب عبارة عن ميل الطبع إلى الشيء الملذ، فإن تأكد ذلك الميل وقوي سمي عشقاً، والبغض عبارة عن نفرة الطبع عن المؤلم المتعب، فإذا قوي سمي مقتاً، فهذا أصل في حقيقة معنى الحبّ لا بد من معرفته». فما يظهر على أحدنا من هذه الأحوال نحو الطرف الآخر هو موافق للفطرة، لا لأنه يتبادل معه شعوراً يفقده الآخرون، حتى لو ترك الخيالات التي توحيها المسلسلات والأفلام والأغاني وعاش على سجيته من تقرير لهذا الواقع، فإنه سيجد أن هذا الشعور متجدّدٌ لديه لدى أطرف كثيرة يراها ويسمعها. وهذا لا يلغي تفاوت توفر هذه الأمور ما بين شخص وآخر، وإنما أردنا تقرير أنها موجودة بصورة عامة بين الجنسين، فإذا أعجب أحد الجنسين بالآخر ومال إليه بدرجة عالية، فهل يجوز له مصارحته بهذا الأمر؟ إننا لو طرحنا هذا التساؤل على مجموعة من أهل عصرنا لوجدنا بينهم اختلافاً عجيباً في الإجابة بين موافق ومعارض، فكل يجيب على حسب ثقافته وبيئته وتربيته، لكن الشارع الكريم أراحنا من عبء هذا الاختلاف، ورجّح لنا أحد الجانبين، فقد ثبت عن رسول الله  أنه قال: (مَن عَشِقَ وكتم وعفّ ومات، فهو شهيد)، وقد أفرد الحافظ السيد أحمد الصديق الغماري هذا الحديث بكتاب خاص في إثباته سمّاه: «درء الضعف عن حديث من عشق فعفّ». ومعنى ذلك إن حصل العشق فعلاً من طرف لآخر بغض النظر عن سببه هل كان بسبب قرابة أو جوار أو دارسة أو عمل أو غيره فإنه في هذا الموضع لا يهمنا تفحيص ذلك؛ لأنه يحتاج إلى تفصيل وبيان خاصّ ليس هنا محله، وإنما الذي يهمنا أنه لو حصل هذا، فإن الحديث يرشدنا أن عليه أن يكتم ذلك ويعفّ حتى لو مات كاتماً عفيفاً فإنه شهيد بذلك، فيا هل ترى ما هو السبب لهذا الكتمان وهذه العفة، ولِمَ نال بها درجة الشهادة؟ يبدو لي والله أعلم أن في الكتمان والعفة إشارة لما سبق أن ذكرناه من شوق وميل وإعجاب كل من الجنسين ببعضهما فلا يعني حصوله هو المجاهرة به والسير في الطرق المحظورة بحجة حصوله، بل هو محض وهم وخيال ينبغي دفعه والابتعاد عنه. لكنه رغم هذه الإشارة فإنه يقرر جازماً أن من حصل منه هذا العشق فعلاً فإن عليه أن يكتم هذا؛ لأمور منها: 1.أنه أمر خفي لا يمكن لأحد أن يطلع عليه، فهو أمر قلبي، ولا يعلم ما في القلوب إلا الله تعالى، ففي إباحة الإخبار به لعبٌ بمشاعر الناس بما لا يستطيع أحد معرفة صدقه أو كذبه، ودخوله في متاهات لا أول لها من آخر. 2.أنه من باب سدّ الذريعة؛ إذ أن كثيراً من الناس سيستغلونه في تحقيق مآربهم وشهواتهم الشخصية؛ ويدرك حقيقة هذا من يتابع الواقع الذي نعيشه، فإن من بين عشرات أو مئات قصص الحبّ التي تمارس يمكن أن تصدق واحدة، والباقي هي مجرد تسلية أو لمصلحة شهوانية يقصد تحقيقها. 3.أن في إباحته تعريض لانتهاك أعراض الناس وسلب لشرفهم؛ إذ أن كثيراً من الفتيات تسلم نفسها بمجرد الثقة العمياء بمَن أمامها، ولا تدرك أنها أضحوكة بيد مَن تخصصوا بالاصطياد واللعب. 4.أن في إباحته تعليق لطرف بآخر، ممكن أن تكون هناك عوائق ـ ليس هنا محل ذكرها ـ تحول بين زواجهما، مما يجعل حسرة وندماً وفجعاً في القلب على ذلك، يؤدّي إلى تعاسة وتنغيص في حياة كل منهما مع من كان من نصيبه. 5.إن في إباحته صرف للخطّاب عن التقدم لهذه الفتاة، ويمكن أن يكون بعضهم أفضل من هذا الشخص، ولديه رغبته بها أكثر منه؛ لأن معرفة الآخرين بعلاقة بين رجل وامرأة، فتح باب شر بالكلام في شرف هذه الفتاة وعفتها وغير ذلك. 6.أنه لا فائدة حقيقية من التصريح به سواء للفتاة أو لغيرها؛ لأنه يفترض أن ينتهي بالزواج، والزواج ما زال في علم الغيب لعدم حدوثه وعدم معرفة نصيب كل منهما، فلا أحد يعلم هذه الأقدار الآتية لهما. فلو أننا جدلاً قلنا أنه لو أخبرها فإنها ستنتظره، فالأولى بدل هذا الإخبار أن يتقدم لخطبتها إن كان صادقاً، فيكون انتظار كل منهما الآخر شرعياً، أما أن تنتظره حتى يكمل دراسته أو يكوِّن نفسه فتمنع نفسها عن كل مَن يخطبها، فإن فيه ضرراً عظيماً؛ إذ أنه كما هو معلوم أن للفتاة مرحلة زهو يرغب فيها الناس بها، فإن مضت هذه المدّة قلَّ خطابها، حتى أنها لو رفضت الزواج بسببه دون أي روابط شرعية بينهما ولكن على أمل أن يخطبها فإنها قد تتجاوز سن الزواج، وكثيراً ما يحصل عوارض تمنع من خطبته لها سواء من أهله أو أهلها أو منه كرؤيته غيرها وإعجابه بها كما أعجب بها، وهذا كثير الوقوع لمن يعايش الناس. وهذا شيء يسير من الحكم الكثيرة وراء هذا الكتمان، وعليه فيكون معنى الحديث من أعجب أو مال أو اشتاق لطرف من الجنس الآخر، فلم يتحدث بذلك وجعله سراً بينه وبين خالقه، وابتعد عن هوى النفس في تحقيق رغبتها وشهوتها منه، فصبر واحتسب عند الله تعالى، ولو أوصله شدّة اشتياقه إلى الموت وهو على تلك الحال، فإنه له منْزلة الشهادة عند الله ؛ لأنه ابتلي فاحتمل وصبر، ولم يجعل أعراض المسلمين عرضة للتفكه والتسلي، ولم يجر وراء نزوات نفسه وطلباتها، فحق له أن يكون من الصادقين عند ربهم. إذا اتّضح شرعاً وعقلاً عدم جواز فتح علاقة بين الجنسين بدون رابطة شرعية، فإننا نضيف إلى ما سبق أن هذا الحبّ حقيقية لا يكون إلا بمعرفة المحبوب، قال الإمام الغزالي في الإحياء (4: 213: «إنه لا يتصوَّر محبة إلا بعد معرفة وإدراك، إذ لا يحب الإنسان إلا ما يعرفه…». وهذه العلاقة مهما فتحت وطورت، فإنها لا تبيِّن حقيقة كلٍّ من الطرفين للآخر، حتى ولو كانت بينهما خطوبة؛ لأن كلَّ طرف منهما يسعى لإظهار أفضل وأجمل ما عنده للآخر، ولا يتكلم إلا بألطف الكلام وأحلاه من الغزل والغرام معه، وهذا لا يصور ما عليه طبيعة كل منهما؛ إذ أنها لا تعرف إلا بالعشرة الزوجية التي تشتمل على مصاعب حياتية كثيرة من الحمل، والولادة، والتربية، والتنظيف، والصبر على شدّة الحال وضيقه، والشكر على فرج الله تعالى، وحسن التصرف في المواقف المختلفة، وصيانة المال والنفس، وغيرها. وإدراك مثل هذه الأمور يحتاج أشهر من الزواج أو سنوات، فمَن كان معدنه طيب ومن أصل خير وربّي تربية حسنة وعنده خلق ودين كان توفّر هذه الخصال لديه أكثر، وكانت قابليته للحياة مع شريكه أكبر. فالحياة الزوجية السعيدة لراغبها أحوج ما تكون للدين دون غيره كما أرشد إليه المصطفى الحبيب : (إن المرأة تنكح على دينها ومالها وجمالها فعليك بذات الدين تربت يداك) في صحيح مسلم: 2: 1087]؛ لأسباب عديدة، منها: 1.أنه ينظم علاقة هذين المتزوجين، ويبيِّن ما لكل منهما وما عليه، حتى لو اختصما في أمر كان حكماً بينهما في إنصاف كل منهما. 2.أنه وضَّح طبيعة نظرة المرأة للرجل، وهي نظرة إعظام وإكبار وإجلال حتى كره أن تنادي الزوجة زوجها باسمه؛ لما فيه من الإخلال بذلك، إذ عليها أن تناديه بكنيته توقيراً له، ووضح نظرة الرجل للمرأة وهي نظرة رحمة ومودة ورأفة قال : {وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً} [الروم: 21]، وهذا يخالف نظرة الغرب التي تجعل كل منهما نداً للآخر. 3.أنه جعل الرجل المسؤول الأول في الحياة الزوجية: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ} [النساء: 34]. وأمر المرأة بطاعة زوجها والقيام على أمره حتى قال : (لو كان أحد ينبغي أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها لما عظم الله عليها من حقّه) في صحيح ابن حبان 9: 470، والمستدرك 2: 206. وقال : (ما من امرأة يطلب زوجها منها حاجة فتأبى فيبيت وهو عليها غضبان إلا باتت تلعنها الملائكة حتى يصبح) في مسند أحمد 2: 255، والأوسط 8: 94، قال الهيثمي في مجمع الزوائد 4: 296: «رجاله ثقات»، ومن تدبّر في المشاكل وجد جلها راجع إلى عدم الطاعة والتعنت. ومَن تدبَّر في حديث الرسول : (أن المغيرة بن شعبة  خطب امرأة فقال له النبي : اذهب فانظر إليها فإنه أجدر أن يؤدم بينكما) في صحيح ابن حبان 9: 531 وسنن الترمذي 3: 397. عرف الهدي النبوي في هذه المسألة؛ إذ لم يقل له اذهب فتعرف عليها وادرس حالها وانسجام شخصيتها مع شخصيتك وكوِّن علاقة من الحب معها، حتى إنه لم يقل  له: اذهب فحدثها، بل اعتبر أن النظر يكفي لمن أراد أن يتزوَّج امرأة؛ لأن به يتحقق المقصود من القبول للصورة والهيئة الخارجية مع الألفة لها أو النفرة عنها في هذه النظرة؛ لأن في الحديث (الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف) في صحيح مسلم: 4: 2031، وصحيح البخاري 3: 12313. ومَن تأمل في حياة آبائنا وجد أنها أمتع وأهنأ وأوفق بكثير من حياتنا؛ لأن مجتمعهم أقل فساداً، ولم تكن هذه الأفكار الغربية منتشرة فيه، فكان أحدهم يتزوج بلا علاقة مسبقة مع زوجته، فكل علاقتهما تبنى بعد الزواج على الأسس التي سبق ذكرها، فكان الطلاق قليلاً بينهم جداً مقارنة مع ما في وقتنا رغم هذه العلاقة المفتوحة بين الرجال والنساء، والطلاق علامة على فشل الزواج وقلة السعادة فيه، فماذا أفادتنا هذه العلاقات غير الشرعية بين الجنسين إلا كثرة الفساد والزنا قبل الزواج، والتعاسة والطلاق بعد الزواج، ومن يتابع إحصائيات الطلاق يجد أن أكثر حالاتها بين المتعارفين والمتحابين قبل الزواج. ونختم هذا المبحث بنصيحة للعلامة محمد رشيد رضا ـ صاحب تفسير «المنار» ـ للرجال والنساء في العلاقة قبل الزواج، أذكرها بطولها لما تضمنته من الفوائد الجمّة بعد التجربة الطويلة له في ذلك، وهو من المختصين في شؤون المرأة، إذ يقول في نداء للجنس اللطيف ص138-139: «إنني منذ ثلث قرن ونيف أدرس مسألة النساء والحياة الزوجية وأناقش فيها أهل العلم والرأي وأقرأ ما صنِّف فيها من الكتب وأتتبع ما تنشره الصحف وأتدبّر أخبار الإفرنج فيها. وكتبت فيها شيئاً كثيراً أهمه تفسير آيات القرآن الحكيم في موضوعها ومقالات الحياة الزوجية التي نشرت في مجلد «المنار» الثامن وآخرها هذه الرسالة، وناظرت الدعاة إلى المساواة بين النساء والرجال في الجامعة المصرية فحكمت لي الأكثرية الساحقة بالفلج ـ أي النصر والغلبة ـ وإصابة صميم الحق. وإنني أعتقد بعد هذا الدرس الطويل العريض العميق، وما اقترن به من الاختيار الدقيق أن ما يراه الكثيرون من أهل الغرب والشرق من نوط السعادة الزوجية بتعارف الزوجين قبل الزواج وعشق كل منهما للآخر هو رأي أفين ـ أي ناقص ـ أثبت الاختبار بطلانه وإن تحابّ الشبيبة فإنه لا ثبات له بعد الزواج غالباً، بل كانت العرب تقول: إن الزواج يفسد الحبّ. وإنما القاعدة الصحيحة لهناء الزوجية ما قاله أمير المؤمنين عمر بن الخطاب لامرأة خاصمت زوجها إليه وصرحت له بأنها لا تحبّه فقال لها: «إذا كانت إحداكن لا تحب الرجل منّا فلا تخبره بذلك، فإن أقلّ البيوت ما بني على المحبّة، وإنّما يتعاشر الناس بالحسب والإسلام. يعني أن التزام كل من الزوجين لحفظ شرف الآخر والعمل بما يرشد إليه الإسلام من الواجبات يوالآداب الزوجية هو الذي تنتظم به الحياة الزوجية، ويعيش الناس به العيشة الهنية. وينبغي لكل من الزوجين أن يتكلّف التحبب إلى الآخر بأكثر ممّا يجده له في قلبه، فإن التطبع يصير طبعاً ورحم الله علية بنت المهدي أخت هارون الرشيد حيث قالت: «تحبّب فإن الحبّ داعية الحب»، فإنه في معنى قوله :(العلم بالتعلم والحلم بالتحلم) في المعجم الأوسط 3: 118 والزهد لهناد 2: 605. هذه نصيحتنا نزفّها إلى الرجال والنساء في هذا العصر الذي يشكو فيه العقلاء إعراض الشبان عن الزواج، فمَن وفَّقه الله تعالى للعمل بها منهم فسيرونها أغلى وأفضل نصيحة يستحقّ صاحبها منهم الدعاء والشكر ومن الله عز وجل المثوبة والأجر». والله أعلم.
imam icon

أرسل سؤالك إلى المساعد الذكي

إذا لم تكن الإجابات السابقة مناسبة، يرجى إرسال سؤالك إلى المفتي عبر