الإجابة
أقول وبالله التوفيق: إن مَن يمعن النظر في حياة الناس الذين ابتعدوا عن إرضاء ربهم، وانشغلوا بقضاء شهواتهم ولذاتهم، يجد أن العلاقة بينهم في نظر بعضهم إلى بعض قائمة على التحاسد إلى حدٍّ كبير، وهذا ما قرَّره ربُّ العزّة في قوله :{وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَد}الفلق: ٥، فالحسد موجود بلا شك ولا ريب بصريح القرآن الكريم.
فها هو إبليس عندما رأى سيدنا آدم وقد خلقه الله رفض أمر ربه بالسجود له حسداً من نفسه لآدم ، فعن الإمام الحسن البصري : « إن الحسد أول ذنب كان في السماء» في شعب الإيمان5: 274، فانظر كيف آل الحسد بإبليس إلى أن يخرج من رحمة الله إلى لعنته فينال غضب ربه ، قال ابن حبان في روضة العقلاء1: 99: « والحسد داعية الى النكد، ألا ترى إبليس حسد آدم فكان حسده نكداً على نفسه فصار لعيناً بعدما كان مكيناً».
وقد نهانا رسول الله عن الحسد أشدّ النهي فقال : « لا تحاسدوا ولا تدابروا ولا تقاطعوا وكونوا عباد الله إخواناً» في صحيح البُخاري5: 2253، وصحيح مسلم4: 1986، والكلام في الحسد طويل ومتشعب لا يمكن الإحاطة به في هذه الأسطر، وإنما نكتفي بالإشارة إلى معناه، وسببه، وحال الحاسد والمحسود، وأمثلة حية له، وكيفية مجانبته.
فالحسدُ على النعمة إذا كرهها عنده وتمنَّى زوالها عنه، ينظر: المصباح ص135، فهو اسم يقع على إرادة زوال النعم عن غيره وحلولها فيه، فأمّا مَن رأى الخير في أخيه وتمنّى التوفيق لمثله أو الظفر بحاله وهو غير مريد لزوال ما فيه أخوه فليس هذا بالحسد الذي ذمّ ونهي عنه. ومن الحسد يتولّد الحقد، والحقدُ أصل الشرّ، ومَن أضمر الشرَّ في قلبه أنبت له نباتاً مُرّاً مذاقه، نماؤه الغيظ، وثمرته الندم، ولا يكاد يوجد الحسد إلا لمن عظمت نعمة الله عليه، فكلَّما أتحفه الله بترداد النعم ازداد الحاسدون له بالمكروه والنقم، كما في روضة العقلاء1: 97.
فسبب الحسد يدورعلى فضل الله ونعمته بتميز المرء من بين أقرانه، وبروزه ونبوغه في حسن أو علم أو مال أو جاه أو غيرها مما يتنافس فيه البشر، فالنفس لا تطيق تفضيل غيرها عليها، وإنما تسعى جاهدة لبيان عواره وزواله عن صاحبه بشتى الطرق والوسائل، وهذا ما أشار إليه بقوله: « استعينوا على قضاء الحوائج بالكتمان، فإن كلِّ ذي نعمة محسود» في مسند الروياني4: 145، والمعجم الكبير20: 94، والمعجم الأوسط3: 55، قال العراقي في تخريج الإحياء7: 231: « سنده ضعيف». قال سيدنا عمر بن الخطاب : « ما من أحد عنده نعمة إلا وجدت له حاسداً» في روضة العقلاء1: 97، وقال قتادة: « ما كثرت النعم على قوم قط إلا كثر أعداؤهم»، وقال محارب بن دثار: « إني لأدع لبس الثوب الجديد مخافة أن يظهر في جيراني حسد لم يكن» في شعب الإيمان5: 278.
وفي المثل العربي: «إنَّ الحسان مظنّة للحاسد»، المأخوذ من قول الحماسي:
بيضاء آنسة الحديث كأنها
قمر توسط جنح ليل مبرد
موسومة بالحسن ذات حواسد
إنَّ الحسان مظنّة للحاسد
والحسان جمع حسناء، ومظنّة الشيء: موضع يظنّ فيه وجوده، والمعنى أنَّ الحسناء مظنّة لأن تحسد على حسنها، وكذا كل مَن له فضيلة ما أو مزية ما فهو مظنة لأن يحسد، كما يقال: كل ذي نعمة محسود. ومَن يمتدح بكثرة الحسّاد ويذمّ بقلتهم؛ لأن وجود الحسّاد كناية عن وجود الفضل والنعمة كما قيل:
و لكل بيت مروءة أعداءُ
حسدوا مروءتنا فضلل سعيهم
وقال آخر:
قبلي من الناس أهل الفضل قد حسدوا إن يحسدوني فإني غير لائمهم
وقال آخر: إنَّ الفضيلةَ لا تخلو عن الحَسَدِ
فازدادَ لي حَسداً مَن لستُ أحْسُدُه
وقال أبو الأسود أو غيره:
فالقوم أعداءٌ له وخصومُ
حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه
حسداً وبغضاً إنّه لدميمُ
كضرائب الحسناء قلن لوجهها
وقال عمار بن عقيل:
ذو الفضل يحسده ذوو النقصان
ما ضرني حسد اللئام ولم يزل
إلا تظاهُرَ نعمَةِ الرّحمنِ
يا بُوسَ قومٍ ليس ذَنبي بَيْنَهُمْ
وقال بشار:
أعز فقداً من الائي أحبوني
لا عشت خلوا من الحسّاد إنهم
حتى يموتوا بداء غير مكنون
أبقى لي الله حسادي برغمهم
وأنشد منصور الفقيه: أتدري على من أسأت الأدب
ألا قل لمن كان لي حاسدا
إذا أنت لم ترض لي ما وهب
أسأت على الله في فعله
ينظر: زهر الأكم1: 60، والطبقات السنية1: 44، وشعب الإيمان5: 276.
ومن الأبيات السابقة يظهر لنا جلياً حال كلّ من الحاسد والمحسود، فالمحسود إنسان أنعم الله عليه وفضله بمزية امتاز به عمَّن حوله حتى كثر الحسّاد له عليها، ويمدح بحسد غيره له؛ لأنه لولا ظهوره وبروزه لما حسن، حتى قال بعضهم يمدح أقواماً:
مَنْ عاش في النَّاسِ يوْماً غيرَ محسودِ
مُحَسَّدُونَ وشرُّ النًّاسِ منزِلةً
وقال البحتري:
أعيت عليكم وافعلوا كفعاله
لا تحسدوه فضل رتبته التي
وقال البحتري:
إذا أنت لم تدلل عليها بحاسد
ولن يستبين الدهر موضع نعمةٍ
ينظر: البيان والتبيين1: 331، ونهاية الأرب 1: 346، وغيره.
وأما حال الحاسد: فهو من امتلأ قلبه حقداً وحسرة على ما منَّ الله به على غيره، فأخذ يكيد ويمكر لما في أيديهم ويتمنى زواله عنهم، فهو يعيش في كدر ونكد من العيش، قال الأحنفُ بنُ قَيس: « لا راحة لحسود»، وقال الشعبي: « الحاسد منغَّص بما في يد غيره»، وقال الخليل: « ما رأيتُ ظالماً أشبه بمظلوم من حاسد»، وقال المتنبي:
لمن بات في نعمائه يتقلب
وأظلم أهل الأرض من بات حاسداً
وأنشد الأبرش: فله البغضاء من كلّ أحد
ليس للحاسد إلا ما حسد
ينظر: البيان والتبيين1: 330، وشعب الإيمان5: 24، ونهاية الأرب 1: 346.
وفي هذه العجالة أقتصر على الحسد بالعلم فحسب، فهو من أكبر أبواب الحسد في هذه الدنيا، وقد امتلأت به قلوب كثيرة، فمنه ما قيل في حقِّ الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان، فقيه هذه الأمة؛ إذ قيل لعبد الله بن طاهر: الناس يقعون في أبي حنيفة، فقال: أن رَمَى فيه غلامٌ بِحَجَرْ
ما يَضُرُّ البَحْرَ أمْسَى زاخراً
ثم أنشد:
لا عاش من عاش يَوماً غَيرَ مَحْسُودِ
إن يحسدوني فزاد الله في حَسَدي
بالعلم والبأس أو بالمجْدِ والجُودِ
ما يُحْسَدُ المرء إلا مِنْ فضائِلِه
ينظر: الطبقات السنية1: 44، وغيره.
ومن الأمثلة الحيّة على الحسد في العلم عبر تاريخنا الإسلامي العظيم:
إن من أبرز علماء هذه الأمة الفقيه الأصولي، الملقب بسيف الدين الآمدي، علي بن أبي علي التغلبي الشافعي (ت631هـ)، لما لم يكن في زمانه أحفظ منه لعلوم المعقول، واشتهر بها فضله، وألف فيها التآليف الرائقة، مثل: أبكار الأفكار، ورموز الكنوز، ومنتهى السول في علم الأصول، لم ينج من الحسد؛ إذ حسده جماعة من فقهاء البلاد وتعصبّوا عليه ونسبوه إلى فساد العقيدة وانحلال الطوية والتعطيل ومذهب الفلاسفة والحكماء، وكتبوا محضراً يتضمن ذلك، ووضعوا فيه خطوطهم بما يستباح به الدم، وكان فيهم صاحب عقل ومعرفة فلما رأى تحاملهم عليه وإفراط التعصب كتب في المحضر، وقد حمل إليه ليكتب فيه مثل ما كتبوا فكتب:
فالقوم أعداءٌ له وخصوم
حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه
والله أعلم، وكتب فلان بن فلان، فأفسد عليهم ما أرادوا، كما في وفيات الأعيان3: 293-294.
وها هو إمام المفسِّرين محمّد بن جرير الطبريّ (ت310هـ)، فمن حسد أهل زمانه له، دُفِنَ ليلاً بداره، لأنّ بعضَ الحنابلة تعصبّوا عليه ووقعوا فيه، فتبعهم غيرهم، ومنعوا من دفنه نهاراً، وادّعوا عليه الرفض، ثمّ ادعوا عليه الإلحاد؛ وكان عليّ بن عيسى يقول: والله لو سُئِل هؤلاء عن معنى الرفض والإلحاد ما عرفوه، ولا فهموه، كما في الكامل3: 408-409.
وكذا ما وقع لمجدد المئة الثانية عشرة الهجرية الشيخ أحمد بن عبد الأحد السرهندي (ت1173هـ)؛ إذ كان حجّة الأولياء المتقين، ونادرة من نوادر الأيام، كما يشهد به كتابه « المكتوبات» في ثلاث مجلدات، وهو من الحجج القواطع على تبحرّه في العلوم الشرعية، وفيه ما لا يتبادر إلى الأذهان لمن ليس لهم درك في مقامات العرفان، فسعى الحسّاد والخصماء في الطعن فيه لدى السلطان جهانكير، فأمر السلطان بإحضار الشيخ ورضي بجوابه عمّا قالوه، فعرضوا على السلطان أن الشيخَ ما انحنى للسلطان تكبّراً، بل لم يتواضع له تواضعاً جارياً، فغضب عليه السلطان وحبسه في قلعة كواليار... ولبث في السجن ثلاث سنين...»، كما في نزهة الخواطر5: 43-44.
وبعد هذا البيان فعلى العاقل مجانبة أهل الحسد، وعدم إظهار نعم الله أمامهم، والإلتجاء إلى الله ، فإن الحسد مرض نفسي يصيبهم مَن ضعف الإيمان في قلوبهم، ولا يرضي صدورهم إلا زوال النعمة.
قال أبو حاتم: «لا يوجد من الحسود أمان أحرز من البعد منه؛ لأنه ما دام مشرفاً على ما خُصِّصت به دونه لم يزده ذلك إلا وحشة، وسوء ظنٍّ بالله، ونماء للحسد فيه، فالعاقل يكون على إماتة الحسد بما قدر عليه أحرصُ منه على تربيته، ولا يجد لإماتته دواء أنفع من البعاد، فإن الحاسد ليس يحسدك على عيب فيك ولا على خيانة ظهرت منك، ولكن يحسدك بما ركب فيه من ضّد الرضا بالقضاء كما قال العتبي:
لنفسي جرما غير أنك حاسد
أفكر ما ذنبي إليك فلا أرى
والعاقل إذا خطر بباله ضرب من الحسد لأخيه أبلغ المجهود في كتمانه وترك إبداء ما خطر بباله، وأكثر ما يوجد الحسد بين الأقران.
وبئس الشعار للمرء الحسد؛ لأنه يورث الكمد ويورث الحزن، وهو داء لا شفاء له، والحاسدُ إذا رأى بأخيه نعمة بهت، وإن رأى به عثرة شمت، ودليل ما في قلبه كمين على وجهه مبيَّن، وما رأيت حاسدا سالم أحداً... ويسهل على المرء ترضي كل ساخط في الدنيا حتى يرضى إلا الحسود، فإنه لا يرضيه إلا زوال النعمة التي حُسِدَ من أجلها...».
وتركه من أفعال الكرام
الحسد من أخلاق اللئام
ونار الحسد لا تطفأ
ولكل حريق مطفيء
ينظر: روضة العقلاء1: 98-99.
قال الشاعر : إلا عداوة من عاداك بالحسد
كل العداوة قد ترجى إماتتها
وقال آخر: الرضا إلا الحسود فإنه أعياني
أعطيت لكل امرئ من نفسي
عندي جمال غنى وفضل بيان
يطوي على حنق حشاه إذا رأى
وهلاك أعضائي وقطع لساني
وأبى فما ترضيه إلا ذلتي
وأنشد القناد: ولو رمى بك في اللجج
اصبر على حسد الحسود
إليك إلا بالفرج
فلعل طرفك لا يعود
ينظر: شعب الإيمان5: 276.
وقال ذا النون: «الحسد داءٌ لا يبرأ، وحسب الحسود من الشرّ ما يلقى وهو داخل إلى الحبس»، كما في شعب الإيمان5: 277. ونختم الكلام بما يجب على المرء من مراعاته في نفسه لئلا يدخل في زمرة الحساد، قال أبو حاتم: «الواجب على العاقل مجانبة الحسد على الأحوال كلها، فإن أهون خصال الحسد هو ترك الرضا بالقضاء وإرادة ضدّ ما حكم الله لعباده، ثم انطواء الضمير على إرادة زوال النعم عن المسلم والحاسد لا تهدأ روحه، ولا يستريح بدنه إلا عند رؤية زوال النعمة عن أخيه، وهيهات أن يساعد القضاء ما للحساد في الأحشاء»، كما في روضة العقلاء1: 98. والله أعلم.