الإجابة
أقول وبالله التوفيق:إن التكبُّرَ من أكثر الأمراض النفسية شيوعاً، فلا يكاد ينجو منه إلا مَن رحمه الله ، وحظّ الناس فيه متفاوت، فمنهم مَن له النصيب الوافر، ومنهم مَن له أدنى نصيب، ولا بُدّ لكلّ منّا أن يبذلَ قصارى جهده لتنقية نفسه منه، وتزكيتها بالتواضع، وهذا كلُّه سنعرض له فيما يلي، وسنهتمّ بالكلام على مَن جعلوا التكبُّرَ سبيل حياة يتربُّون عليه، ويظنُّون أنه الدين الحقّ.
والكبر معدود من الكبائر كما ذكر ابن حجر في الزواجر(1: 169) للآيات الكثيرة الواردة في ذمّ الكبر، والنهي عنه، ومنها قوله :{إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ} النحل: 23، وقوله :{إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} غافر: 60: أي صاغرين.
والكِبر اسم من التَّكبّر، والتَّكَبُّر والاسْتكْبار: التَّعَظُّم، قال ابن القُوطِيَّة: الكِبر اسمٌ من كَبْرَ الأمرُ والذنبُ كُبْراً إذا عَظُمَ، والكبْرُ العظمةُ، والكبرياء مثله، كما في المصباح(ص523-524). والكبر إما باطن: وهو خلق في النفس، واسم الكبر بهذا أحقّ، وإما ظاهر وهو أعمال تصدر من الجوارح، وهي ثمرات ذلك الخلق وعند ظهورها يقال له تَكبّر، وعند عدمها يقال في نفسه كبر، فالأصل هو خلق النفس الذي هو الاسترواح والركون إلى رؤية النفس فوق المُتَكَبَّر عليه، كما في الزواجر(1: 188). والمتكبِّرُ مَن يرى نفسه فوق ذلك الغير في صفات الكمال، فعند ذلك يكون متكبّراً، ولا يكفي أن يستعظم نفسه ليكون متكبِّراً، فإنه قد يستعظم نفسه ولكنّه يرى غيره أعظم من نفسه أو مثل نفسه فلا يتكبّر عليه، ولا يكفي أن يستحقر غيره، فإنه مع ذلك لو رأى نفسه أحقر لم يتكبّر، ولو رأى غيره مثل نفسه لم يتكبر، بل ينبغي أن يرى لنفسه مرتبة ولغيره مرتبة، ثم يرى مرتبة نفسه فوق مرتبة غيره، فعند هذه الاعتقادات الثلاثة يحصل فيه خلق الكبر...
وهذه العقيدة تنفخ فيه، فيحصل في قلبه اعتداد وهزة وفرح وركون إلى ما اعتقده وعزّ في نفسه بسبب ذلك، فتلك العزّة والهزّة والركون إلى هذا الخلق الكبر... فالكبر عبارة عن الحالة الحاصلة في النفس من هذه الاعتقادات، وتُسمَّى أيضاً عزّة وتعظماً... وهذه العزّة تقتضي أعمالاً في الظاهر والباطن هي ثمرات ويسمّى ذلك تكبّراً، فإنه مهما عظم عنده قدره بالإضافة إلى غيره حقَّرَ مَن دونه وازدراه وأقصاه عن نفسه وأبعده، وترفَّعَ عن مجالسته ومؤاكلته... قال : « الكبر من بطر الحق وازدرى الناس» في المستدرك(1: 78)، وصححه، صحيح ابن حبان(12: 280). فهذا هو الكبر وآفته عظيمة وغائلته هائلة، وفيه يهلك الخواص من الخلق، وقلَّمَا ينفك عنه العباد والزهاد والعلماء فضلاً عن عوام الخلق، وكيف لا تعظم آفته وقد قال : « لا يدخل الجنة مَن كان في قلبه مثقال حبَّة من خردل من كبر، ولا يدخل النار مَن كان في قلبه مثقال حبة من إيمان» في سنن الترمذي(4: 360)، وقال: حسن صحيح، وصحيح مسلم(1: 93). وإنما صار حجاباً دون الجنة؛ لأنه يحول بين العبد وبين أخلاق المؤمنين كلّها، وتلك الأخلاق هي أبواب الجنة، والكبر وعزّة النفس يغلق تلك الأبواب كلّها؛ لأنه لا يقدر على أن يحبَّ للمؤمنين ما يحبّ لنفسه وفيه شيء من العزّ.
ولا يقدر على التواضع وهو رأس أخلاق المتقين وفيه العزّ.
ولا يقدر على ترك الحقد وفيه العز.
ولا يقدر أن يدوم على الصدق وفيه العز.
ولا يقدر على ترك الغضب وفيه العزّ.
ولا يقدر على كظم الغيظ وفيه العزّ.
ولا يقدر على ترك الحسد وفيه العزّ.
ولا يقدر على النصح اللطيف وفيه العزّ.
ولا يقدر على قبول النصح وفيه العزّ.
ولا يسلم من الازدراء بالناس ومن اغتيابهم وفيه العزّ.
ولا معنى للتطويل فما من خلق ذميم إلا وصاحب العزّ والكبر مضطرٌ إليه ليحفظ عزّه، وما من خلق محمود إلا وهو عاجز عنه خوفاً من أن يفوته عزّه، فمن هذا لم يدخل الجنة مَن في قلبه مثقال حبّة منه، كما في الإحياء(3: 363). والكِبْر والتَّكَبُّر والاسْتكْبار متقاربة؛ إذ الكِبْرُ: حالةٌ يتخصّص بها الإنسان من إعجابه بنفسه وأن يرى نفسَه أَكْبَر من غيره، وأعظم الكِبْر التَّكَبُّر على الله بالامتناع عن قَبول الحقّ.
والاسْتكْبارُ على وَجْهَيْن: أحدُهما: أن يَتَحَرَّى الإنسانُ ويَطْلُبُ أن يكونَ كبيراً، وذلك متى كان على ما يَجِب، وفي المكان الذي يَجِبْ، وفي الوقت الذي يَجِبْ فهو محمود.
والثاني: أن يَتَشَبَّعَ فيُظهِر من نَفْسِه ما ليس له، فهذا هو المَذْموم، وعليه وَرَدَ القرآن وهو قوله :{إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ} البقرة: 34.
وأما التَّكَبُّر فعلى وَجْهَيْن: أحدهما: أن تكونَ الأَفعالُ الحسَنةُ كبيرةً في الحقيقة وزائدةً على محاسن غيرِه، وعلى هذا قولُه :{الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ} الحشر: 23.
والثاني: أن يكون مُتَكَلِّفاً لذلك مُتَشَبِّعاً، وذلك في عامّة الناس نحو قوله :{كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ}غافر: 35.
وكلّ مَن وُصِف بالتكبُّر على الوجه الأول فمحمود دون الثاني، ويدلُّ على صحّة وَصف الإنسان به قوله :{سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ} الأعراف: 146.
والتَّكَبُّر على المُتَكَبِّر صدقة. والكِبْرِياء: التَّرَفُّع عن الانْقِياد ولا يَسْتَحِقُّهُ إلاَّ اللهُ ، فعن أبي هريرة ، قال : « قال : الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمَن نازعني واحداً منهما قذفته في النار» في سنن أبي داود 2: 456)، وسنن ابن ماجة(2: 1397)، وصحيح ابن حبان(2: 36)، كما في تاج العروس (ص3439). سبب التكبر:
مما سبق يتبين لنا الحامل على الكبر هو اعتقاد كمال تميزه على الغير بعلم أو عمل أو نسب أو مال أو جمال أو جاه أو قوة أو كثرة أتباع، كما في الزواجر(1: 82)؛ لذلك قال الغَزالي في الإحياء(3: 367): اعلم أنه لا يتكبر إلا متى استعظم نفسه، ولا يستعظمها إلا وهو يعتقد لها صفة من صفات الكمال. وجماع ذلك يرجع إلى كمال ديني أو دنيوي، فالديني هو العلم والعمل، والدنيوي هو النسب والجمال والقوة والمال وكثرة الأنصار.
علاج الكبر:
ومن النظر في أسباب الكبر يظهر أنه خلق مكتسب، ويشهد له قوله : « لايزال الرجل يتكبر ويذهب بنفسه حتى يكتب من الجبارين فيصيبه ما أصابهم» في سنن الترمذي(4: 362)، وحسنه، والمعجم الكبير(7: 21). ولا بُدَّ للإنسان أن لا يكتسبه ويخلص منه إن ظهر فيه؛ لأن الكبر من المهلكات ولا يخلو أحد من الخلق عن شيء منه، وإزالته فرض عين، ولا يزول بمجرد التمنّي، بل بالمعالجة واستعمال الأدوية القامعة له، ومن ذلك:
1.استئصال أصله وقلع شجرته من مغرسها في القلب، وله طريقان:
أ.نظري: بأن يعرف نفسه ويعرف ربّه تعالى، ويكفيه ذلك في إزالة الكبر، فإنه مهما عرف نفسه حق المعرفة علم أنه أذلّ من كلّ ذليل وأقلّ من كلّ قليل، وأنه لا يليق به إلا التواضع والذلّة والمهانة، وإذا عرف ربّه علم أنه لا تليق العظمة والكبرياء إلا بالله ... قال : « ما تواضع أحد لله إلا رفعه الله» في صحيح مسلم(4: 2001)، وقال : « من يتواضع لله سبحانه درجة يرفعه الله به درجة، ومن يتكبر على الله درجة يضعه الله به درجة، حتى يجعله في أسفل السافلين» في سنن ابن ماجة(2: 1398)، وصحيح ابن حبان(12: 491). ب.عملي: فهو التواضع لله بالفعل ولسائر الخلق بالمواظبة على أخلاق المتواضعين، كما كانت أحوال رسول الله حتى إنه كان يأكل على الأرض، ويقول: « آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد» في مسند أبي يعلى(8: 318)، والمعجم الكبير(8: 200)، ومصنف ابن أبي شيبة(7: 87)، وكما كانت أحوال الصالحين والزهاد... فيكثر من القراءة والاطلاع عليها والتزامها في حياته.
2.دفع العارض منه بالأسباب التي بها يتكبر الإنسان على غيره، كما سبق ذكرها وليتذكر أن الكمال الحقيقي هو العلم والعمل، فأما ما عداه مما يفنى بالموت فكمال وهمي...، كما في الإحياء(3: 377-380)، قال : « إن الله أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد ولا يبغي أحد على أحد» في صحيح مسلم(4: 2198). وليعلم أن هذه الأسباب الداعية للكبر إنما هي من فضل الله ونعمته عليه فلماذا يتكبر؛ إذ التأثير لموجدها والمنعم بها، فينبغي أن لا يكون إعجابه إلا بما أسداه إليه الحقّ وأجراه عليه وآثره به دون غيره من مزايا جوده وكرمه مع عدم سابقة استحقاق منه لذلك، كما في الزواجر(1: 188). وطالما أن الخير والفضل كله من الله لم يكن لبشر أن يتكبر على أحد، وهذا أكده القرآن فيما سبق، ونهى مرتكبه أشدّ النهي، وأرهبه بأشد العقوبات له، وبذلك وردت الأحاديث المتعددة مما ذكر ومما لم يذكر، حتى وصف رسول الله المتكبرين يوم القيامة فقال : « يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر في صورة الرجال، يغشاهم الذل من كل مكان، يساقون إلى سجن من جهنم يسمى: بولس، تعلوهم نار الأنيار، ويسقون من عصارة أهل النار، طينة الخبال» في سنن الترمذي(4: 655)، وصححه، والأدب المفرد(2: 328). وفيما استخلصناه من كلام الأكابر كالغزالي وابن حجر والزبيدي عن الكبر وأحواله وأوصافه وأسبابه وعلاجه كفاية للمتبصر من أهل زماننا؛ لاسيما ممن يشتغلون في حقل الدعوة ويلتزمون أحزاباً وجماعات ينتسبون لها ويعلمون من خلالها، فإن أبرز ما يميزهم في سلوكهم تعاليهم على الآخرين، وتعظيم أنفسهم وأعمالهم وسلوكهم.
فالعلم الذي لا يزيد صاحبه إلا تواضعاً لا خير فيه، والعمل الذي لا يزيد صاحبه إلا تواضعاً لا خير فيه، فينبغي أن يكون حافظ القرآن من أكثر الناس تواضعاً لو كان عالماً وعاملاً بما حفظ، ولكن لما لم يتعلم معنى ما يحفظ، ولم يعمل به، زاده حفظه تكبراً وعلواً على الآخرين.
وكذلك مَن عمل في الدعوة لله ، ينبغي له أن يعلم حقيقة دين الله ؛ ليتمكن من الدعوة الصحيحة له، ولا يكون ذلك إلا بدراسته على العلماء الربانيين، لا من الكتيبات والسديات والمطويات والمجلات؛ لأن العلم إن خلا عن التربية فقد ثمرته وهي العمل، وطريق ذلك هي المجالس والمدارسة مع أهل الخير وفضله ممن أفنوا أعمارهم في العلم.
فهذا الخلق الذميم الذي ابتلي به المؤمنون لا سبيل لهم للتلخص منه إلا بملازمة طريقة أهل السنة من العلم والعمل، والدراسة على طريقتهم المشهورة، والتزام مناهجهم، فما وسع أمتنا في تاريخ الحافل ينبغي أن يسعنا، وإن السير على خطاهم هو الخيار الوحيد؛ لأن طريقهم هي طريق النبي ، قال : « إن العلماء ورثة الأنبياء» في صحيح ابن حبان(1: 289)، وسنن الترمذي(5: 48)، وسنن أبي داود(3: 317)، وهذا ما أمرنا به الله :{لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيراً} الأحزاب:21. والله أعلم.