التفريق بين الحق المالي وغيره بالضرر

السؤال
هل أخطأ المتأخرون في التفريق بين الحق المالي وغيره ؟
الإجابة
استحسن ابن عابدين ما ذكره البيري في التفريق في جواز الاعتياض عن الحقوق الرجوع لدفع الضرر فيها أو أن الحق ثابت أصالة، فقال في رد المحتار4: 519: «وحاصله: أن ثبوت حق الشفعة للشفيع، وحقّ القسم للزوجة، وكذا حق الخيار في النكاح للمخيرة إنما هو لدفع الضرر عن الشفيع والمرأة، وما ثبت لذلك لا يصحُّ الصلح عنه؛ لأن صاحب الحق لما رضي علم أنه لا يتضرَّر بذلك فلا يستحقّ شيئاً، أما حق الموصى له بالخدمة، فليس كذلك بل ثبت له على وجه البر والصلة، فيكون ثابتاً له أصالة، فيصح الصلح عنه إذا نزل عنه لغيره، ومثله ما مرّ عن «الأشباه» من حق القصاص والنكاح والرقّ، وحيث صحّ الاعتياض عنه؛ لأنه ثابت لصاحبه أصالة لا على وجه رفع الضرر عن صاحبه. ولا يخفى أن صاحب الوظيفة ثبت له الحقّ فيه بتقرير القاضي على وجه الأصالة لا على وجه رفع الضرر، فإلحاقها بحقّ الموصى له بالخدمة، وحق القصاص وما بعده أولى من إلحاقها بحق الشفعة والقسم، وهذا كلام وجيه لا يخفى على نبيه، وبه اندفع ما ذكره بعض محشي «الأشباه» من أنّ المال الذي يأخذه النازل عن الوظيفة رشوة، وهي حرام بالنصّ، والعرف لا يعارض النص، وجه الدفع ما علمت من أنه صلح عن حق كما في نظائره، والرشوة لا تكون بحقّ». وما نقله ابنُ عابدين من التفريق بينها في دخول المال وعدمه، أنّ ما كان منها لدفع ضرر لا يدخله المال، بخلاف ما كان الحق فيه أصاله، وذكر أنه كلام وجيه، تابعه مَن جاء بعده من شراح المجلة كالأتاسي بأن جعلوه أساساً معتبراً في التفريق في المذهب. قال الأتاسي في شرح الأتاسي على المجلة3: 84: «وعلى ما ذكروه من جواز الاعتياض عن الحقوق المجردة بمال ينبغي أن يجوز الاعتياض عن حقّ التعلي وعن حقِّ الشرب وعن حقِّ المسيل بمال؛ لأنّ هذه الحقوق لم تثبت لأصحابها لأجل دفع الضرر عنهم، بل ثبتت لهم ابتداءً بحقٍّ شرعي، فصاحب حق العلو إذا انهدم علوه قالوا: إن له حقَّ إعادته كما كان جبراً عن صاحب السفل، فإذا نزل عنه لغيره بمال معلوم ينبغي أن يجوز ذلك على وجه الفراغ والصلح، لا على وجه البيع، كما جاز النزول عن الوظائف ونحوها، لا سيما إذا كان صاحب حق العلو فقيراً قد عجز عن إعادة علوه، فلو لم يجز ذلك له على الوجه الذي ذكرناه، يتضرر، فليتأمل وليحرر، والله سبحانه أعلم». وكما تفضل الأتاسي فإن المسألة تحتاج إلى تأمل وتحرير؛ لأن الخلط فيها ظاهر جداً، وبعد التأمل نقول: 1. إن جميع التصرفات لها مقتضياتها التي شرعت من أجل تحقيقها، فيثبت بذلك حقوق لهذا التصرف، ففي البيع حقوق، وفي الإجارة حقوق، وفي الهبة حقوق، والنكاح حقوق، والطلاق حقوق، وهكذا. فالحقُّ لا ينفك عن سائر التصرفات؛ لأنه يثبت بها التزامات معيَّنة تُسمّى حقاً على المعنى اللغوي في الاستعمال لكلمة الحقّ، وبحث المالية فيه وعدمه مقرَّرٌ بتفاصيله من المقتضى للتصرُّف؛ لأنها تصرَّفٌ له أحكامُه الذي وجد لتحقيقها فيلتزم بها. 2.إن بحث الضرر وعدمه الذي ذكره البيري وقبله ابن عابدين واعتمده شراح المجلة محلُّ نظر؛ لأنّ الأمر عائد لمقتضى التصرف، ولا شأن له بما قرروه من جواز الاعتياض عمّا لا يكون فيه ضرر؛ لأنه عاد بالنقض على ما قرره الفقهاء من عدم جواز حقّ التسييل وحقّ التعلي وغيرهما، فالفقهاء رغم ذكرهم للمقتضيات السابقة للأحكام إلا أنهم لم يقولوا بجواز هذه الحقوق، فلو كان معتبراً عندهم هذا التفريق في بناء الأحكام ينبغي أن يجوزوا هذه الحقوق على الإطلاق كما فعل الأتاسي، وعندما لم يجوزوها ولم يُعللوا بالجواز عدمهم بوجود الضرر وعدمه علمنا أنّ هذا الوجه في التفريق والبناء للأحكام ليس بصحيح. 3. إن شيخنا العثماني تأثر بالتفريق السابق من حيث الضرر وعدمه، حيث قسم الحقوق إلى الحقوق الشرعية والحقوق العرفية، والحقوق الشرعية قسمها إلى قسمين: الأول: حقوق ليست ثابتة أصالة، وإنما أثبتها الشارع لدفع الضرر عن أصحابها وسماها: «الحقوق الضرورية»، مثل: حق الشفعة وحق المرأة في قسم زوجها لها، والثاني:حقوق ثبتت لأصحابها أصالة، لا على وجه دفع الضرر، وسماها: «الحقوق الأصلية»، مثل حق النسب، وحق والقصاص، وحق التمتع بالزوجة، وحق الطلاق وحق الحضانة وغيرها. وبما سبق تبيَّن الوهم في هذا التفريق، وبالتالي التقسيم إلى حقوق ضرروية وحقوق أصلية لا فائدة فيه.
imam icon

أرسل سؤالك إلى المساعد الذكي

إذا لم تكن الإجابات السابقة مناسبة، يرجى إرسال سؤالك إلى المفتي عبر