التبسّم خلق المسلم

السؤال
ما حكم مقابلة المسلم للمسلم بالابتسامة؟
الإجابة
أقول وبالله التوفيق: إن الحديث عن المشاعر ومراعاتها في التصرفات والسلوكيات طويل ومتشعب لتعلّقه بكل أقوالنا وأفعالنا، ونقتصر ههنا على الإشارة إليها عموماً، وعلى واحدة منها خصوصاً، تكون عند اللقاء والمقابلة، وهي الابتسامة؛ إذ اعتبرها النبي  من أبواب تحصيل الأجر والثواب، فقال : « تبسمك في وجه أخيك صدقة»، كما في سنن الترمذي(6: 44)، وصحيح ابن حبان(2: 286). ومعناه إظهارك له البشاشة والبشر إذا لقيته تؤجر عليه كما تؤجر على الصدقة، كما في بريقة محمودية(5: 77). وما يثير الانتباه أن بعض المتدينين غفل عن هذا الحديث مع حرصهم الشديد في القول بالتزام سنّة رسول الله ، فهذه سنة عملية لا يستغني عنها مسلم قطّ، فلا ينبغي أن تهمل، ويستبدل محلها عبوس الوجه وقبضه، فإن هذا ليس من الدين البتة؛ إذ من سيما الإيمان ملاقاة الناس بالوجه الطلق البشوش؛ لما لها من الأثر الطيب في النفوس وارتياحها وتراضيها وتحابها وتجانسها. واسمع لنصيحة الحافظ الكبير ابن عيينة  إذ يقول: والبشاشة مصيدة المودّة، والبرّ شيء هين: وجه طليق، وكلام لين، وفيه ردّ على العالم الذي يصعّر خدّه للناس كأنه معرض عنهم، وعلى العابد الذي يعبس وجهه كأنه منزه عن الناس مستقذر لهم أو غضبان عليهم، كما في فيض القدير(3: 297). فهذا العالمُ والعابدُ ظنّوا كبراً أنهم أرفع حالاً من غيرهم وأرقى درجة بعلمهم وعبادتهم، فتعالوا وترفعوا وتنزهوا عن غيرهم على سبيل الاحتقار والاستقذار، حتى وصل بهم الحال إلى أن لا يبتسموا لهم، بل يعبسوا في وجوههم، وتعلوها كدرة وغضب صار جزءاً منها لا ينفصل عنها، وفي مثل هؤلاء يقول الإمام الغَزالي : « لا يعلم المسكين أن الورعَ ليس في الجبهة حتى يغضب، ولا في الوجه حتى ينفر، ولا في الخدّ حتى يصعّر، ولا في الظهر حتى ينحني، ولا في الذلّ حتى ينضمّ، إنّما الورعُ في القلب آخر»، كما في بريقة محمودية(5: 77). وفقد هذه الميزة الطيبة من أخلاق المؤمنين راجعٌ إلى ظلمة في القلب ممَّن لم يتربَّى على أيدي العلماء الربانيين الذي سلكوا منهج أهل السلوك والتربية عند أهل السُنّة، قال بعض العارفين: والتبسّمُ والبشرُ من آثار أنوار القلب:{وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ، ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ}عبس: 39. فالانحراف في السبيل هو الذي يولد هذا، وإلا فحاشا أن يمنع التدين والالتزام بطريق النبي  من الابتسامة والبشاشة، فها هو خير الخلق سيدنا محمد  لا ينفك حاله عن البسمة لمَن يلقاه، قال جرير : « ما رآني رسول الله  إلا تَبَسّم» في صحيح البخاري(3: 1104)، وصحيح مسلم(4: 1925)، بل يأمر به ويحثّ عليه فيقول : « لا تحقرن من المعروف شيئاً فإن لم تجد فلاين الناس ووجهك إليهم منبسط» في صحيح ابن حبان(2: 214). ومن هذه الأحاديث وغيرها فَهِمَ العلماءُ أن من أحاسن الأخلاق ادخال السرور إلى قلب الآخرين بمقابلته بوجه طلق، فقال ابن المبارك  في وصف حسن الخلق: « هو بسط الوجه وبذل المعروف وكفّ الأذى» في سنن الترمذي(4: 363). ويتعدَّى أثرُ هذا الخلق على نفس صاحبه بزيادة جماله وكماله بخلاف الغضب والعبوس؛ إذ يزيده قبحاً وغبرة، فعن أبي زيد الأنصاري  قال: قال لي رسول الله : « أدن منّى، قال: فمسح بيده على رأسه ولحيته، قال: ثم قال: اللهمّ جمِّله وأدم جماله، قال: فلقد بلغ بضعاً ومئة سنة وما في رأسه ولحيته بياض إلا نبذ يسير، ولقد كان منبسط الوجه ولم ينقبض وجهه حتى مات» في مسند أحمد(35: 40)، وقال الأرنؤوط: إسناده قوي على شرط مسلم. وهنا فائدة لطيفة في الفرق بين التبسّم والضحك والقهقهة: فحدُّ القهقهة: أن تكونَ مسموعةً لهُ ولجيرانِه، بدت أسنانه أو لم تبد، وحكمها: أنه قبيحة وعمل شنيع. وحدُّ الضَّحك: أن يكونَ مسموعاً لهُ لا لجيرانِه، وحكمه: أنه مباح من غير عجب، أو أن يكثر، وقد ثبت ضحكه  حتى بدت نواجذه في عدّة مواضع، ينظر: صحيح البخاري(5: 2389)، وصحيح مسلم(1: 173). وحدُّ التَّبسُّم: أن لا يكونَ مسموعاً أصلاً، وحكمه: أنه مباح؛ لما روي عن جابر بن سمرة : « كان رسول الله  لا يضحك إلا تبسماً» في سنن الترمذي(5: 603)، وحسنه، والمستدرك(1: 662)، كما في الهسهسة (ص95-100). وعلَّق الحافظ الذهبي في سير أعلام النبلاء(10: 140-141) على ما قاله ابن النعمان: لم أر أعبد من يحيى بن حماد، وأظنّه لم يضحك: بأن الضحك اليسير والتبسّم أفضل، وعدم ذلك من مشايخ العلم على قسمين: أحدهما: يكون فاضلاً لمَن تركه أدباً وخوفاً من الله ، وحزناً على نفسه المسكينة. والثاني: مذموم لمَن فعله حمقاً وكبراً وتصنعاً، كما أن من أكثر الضحك استخفّ به، ولا ريب أن الضحك في الشباب أخفّ منه وأعذر منه في الشيوخ. وأما التبسم وطلاقة الوجه فأرفع من ذلك كله، قال النبي : « تبسمك في وجه أخيك صدقة»، وقال جرير: « ما رآني رسول الله  إلا تبسم». فهذا هو خلق الاسلام، فأعلى المقامات مَن كان بكاء بالليل، بساماً بالنهار. وقال : « لن تسعوا الناس بأموالكم، فليسعهم منكم بسط الوجه» في المستدرك(2: 212)، وصححه، ومسند أبي يعلى(11: 428)، وشعب الإيمان(6: 254). بقي هنا شيء: ينبغي لمَن كان ضحوكاً بسّاماً أن يقصر من ذلك، ويلوم نفسه حتى لا تمجّه الأنفس، وينبغي لمَن كان عبوساً منقبضاً أن يتبسّم، ويحسن خلقه، ويمقت نفسه على رداءة خلقه، وكلّ انحراف عن الاعتدال فمذموم، ولا بُدّ للنفس من مجاهدة وتأديب». وهذا الكلام من الذهبي في غاية اللطف والروعة في الاعتدال والاتزان لأهل الإسلام، وهو صريحٌ واضحٌ في ضرورة مجاهدة النفس وتربيتها على ترك قبض الوجه وعبسه؛ لما في التبسم والبشاشة من حسن الخلق وطيبه، وإدخال السرور والسعادة على قلب صاحبه، ويدفع عنه الهموم والأحزان. وفي مع المعلمين (ص97-100): « كان عمر بن عبد العزيز  يتمثّل هذه الأبيات: القَ بالبشر من لقيت من النا س جميعًا ولاقِهِمْ بالطلاقهْ تَجْنِ منهم به جناءَ ثمارٍ طيِّبًا طعمه لذيذ المذاقهْ ودعِ التِّيْهَ والعبوسَ عن النا س فإن العبوس رأس الحماقهْ كلما شئتَ أن تعادي عاديـ ـت صديقًا وقد تعز الصداقهْ كما في الكتاب الجامع(2: 594). وقال أبو جعفر المنصور: إن أحببت أن يكثر الثناء الجميل عليك من الناس بغير نائل، فالقهم ببشر حسن، كما في عين الأدب والسياسة(ص154). وقيل للعتابي: « إنك تلقى الناس كلهم بالبشر! قال: دفع ضغينة بأيسر مؤونة، واكتساب إخوان بأيسر مبذول»، كما في بهجة المجالس(2: 665). وقال محمد بن حازم : وما اكتسب المحامد حامدوها بمثل البشر والوجه الطليق كما في بهجة المجالس(2: 298) وقال آخر: البشر يكسب أهله صدق المودة والمحبهْ والتيه يستدعي لصا حبه المذمة والمسبهْ كما في عين الأدب والسياسة(ص153) وقال ابن عقيل الحنبلي: البشر مؤنس للعقول، ومن دواعي القبول، والعبوس ضده»، كما في الفنون لابن عقيل(2: 635). فالابتسامة إحدى لغات الجسد التي منحها الله  لبني الإنسان، وهي وسيلة من وسائل الاتصال غير اللفظي لدى الكائن البشري.. وهي طريق مختصر لكسب القلوب، ومفتاح لهداية الكثيرين، وباب يوصل إلى النفوس، وهي وسيلة حية للتعبير عمَّا يجول في خاطر الإنسان تجاه أخيه المسلم... وهي سلاح قوي يُستخدم منذ الطفولة للاقتراب، وحسن التوجيه والتودد للآخرين، وهي تعبير صادق ورونقُ جمال وإشراقة أمل تَميّز بها الإنسان عن باقي الكائنات الحية؛ لتضفي على وجهه قمة الراحة وذروة الانشراح ونهاية الانبساط ... وهي البلسمُ الناجعُ والدواء النافع في ترويح النفس وطرد الآلام وتخفيف الأحزان عن المسلم ...، كما في موسوعة الدفاع عن النبي (2: 201). والله أعلم.
imam icon

أرسل سؤالك إلى المساعد الذكي

إذا لم تكن الإجابات السابقة مناسبة، يرجى إرسال سؤالك إلى المفتي عبر