الإجابة
أقول وبالله التوفيق: المولد النبوي: اجتماع الناس لقراءة القرآن ورواية الأخبار الواردة في ولاده والمدائح وتقديم الطعام وغيرها من الخيرات، كما في اعانة الطالبين 3: 361.
فالمقصود من الاحتفال بالمولد النبوي هو التذكرة بمحبة نبيهم الكريم وسيرته العطرة وصفاته الحميدة وتعظيم شأنه بين الناس؛ لقوله تعالى: {ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوب} [الحج:32]، ونشر الخيرات والصالحات من إطعام الطعام وذكر الأحكام وزيادة البهجة بين المسلمين بالاتقاء على محبته ، وذكر مولده ومعجزاته وسيرته والتعريف به ، وإطعام الفقراء والمساكين.
قال السيوطي في الحاوي للفتاوي ص2528: «إن أصل عمل المولد الذي هو اجتماع الناس، وقراءة ما تيسر من القران الكريم، ورواية الأخبار الواردة في مبدأ النبي ، وما وقع في مولده من الآيات ... هو من البدع التي يُثاب عليها صاحبها؛ لما فيه من تعظيم قدر النبي ، وإظهار الفرح والاستبشار بمولده الشريف».
ومن الأدلة على استحسان الاحتفال بالمولد:
1. قال :{قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُون}] يونس: 58]، فالله طلب منا أن نفرح بالرَّحمة، والنَّبيُّ رحمة الأمة، فعن ابن عباس ، قال: « فضل الله العلم، ورحمة النبي ، قال الله :{وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِين} [الأنبياء:107] .»، كما في الدر المنثور4: 367، قال الألوسي روح المعاني 10: 141: «المشهور وصف النبي بالرحمة».
2. قال :{وَكُـلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ} [هود:120[ في الآية طلب قصّ أنباء الرسل لما في ذلك من تثبيت لأفئدة المؤمنين، فهو حثٌّ على تكرار ذكر المولد والعناية به.
3. قال على لسان سيدنا عيسى :{وَالسَّلاَمُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا} [مريم:33[ هذه الآية والتي قبلها وغيرهما من آيات حافلة بالإشارات الى ميلاد المسيح ، ومدحه وذكر مزاياه التي مَن الله بها عليه، وهي بجموعها شاهدة وداعية الى الاحتفال بهذا الحدث العظيم، وما كان ميلاد محمد بأقل شأنا من ميلاد عيسى ، بل ميلاد الرسول أعظم منه؛ لأنه أكبر نعمة، فيكون ميلاده أيضا أكبر وأعظم.
4. قال :{وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللّهِ}]ابراهيم:5]، وقال :{وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيم} ]الشعراء:69[، والمراد هو ذكرهم، واذكر ما أنعم الله به عليهم ؛ لأنّ في ذكر ما جاؤوا به من الهدى، مما يلفت القلوب والعقول إلى فضل الله على عباده؛ ليلتفتوا بذلك إلى حق الله عليهم، لعلهم يرجون رحمته ويخافون عذابه، ويدعونه رغباً ورهباً، وذلك من أنباء الرسل منذ ولادتهم إلى أن يتوفاهم الله في جميع أحوالهم، ويسمو بالأرواح، ويصقل البصائر، ويزكي المشاعر، ويسلس قيادة الأنفس الجامحة، فترد إلى طاعة الله وإلى الوله بحبه، والعكوف عليه والتمسك به، والتعلق بمرضاته، والنفرة من غضبة، وكل ذلك وأكثر منه مما تقيده الذكرى والتذكير بنعم الله، والاحتفال بها.
5. قال :{إِنَّ اللَّهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الاحزاب:56]، وهذا دليلٌ واضحُ الدلالة في توقيره وتعظيمه في كلِّ وقت وحين؛ لأنّ حبَّه وولائه أصل الدين وأساسه، فكلُّ العبادات تسوق إليه وتطبع القلوب على حبّه، وهذا مقام شريف، واحتفاء عزيز، وما الاحتفال بالمولد إلا تطبيع النفس على كثرة الصَّلاة عليه ؛ رجاء أن ينطبع حبّه وحب آله في القلوب ليؤسس ذلك الحب ركن الإيمان ويشيد صرَّح اليقين.
6. عن أبي قتادة أن رسول الله سئل عن صوم يوم الاثنين فقال: « ذاك يوم ولدت فيه، وفيه أنزل علي» في صحيح مسلم2: 819، وهذا نصٌّ في الاحتفال بيوم مولده لا يحتمل غيره، قال ابن رجب في لطائف المعارف ص98: « فيه إشارة إلى استحباب صيام الأيام التي تتجدد فيها نعم الله على عباده، فإنّ أعظم نعم الله على هذه الأمة إظهار محمد وبعثته وإرساله إليهم، كما قال :{لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ}]ال عمران: [164، فصيام يوم تجددت فيه هذه النعمة من الله على عباده المؤمنين حسن جميل، وهو من باب مقابلة النعم في أوقات تجددها بالشكر»، والمقصود الوصول بهذه الطاعة إلى محبة الله ورسوله ، وقد يتحقق هذا المقصود بأي وسيلة مشروعة، فالوسائل لها حكم المقاصد إذا كان المقصد شرعياً.
7. عن ابن عباس ، قال: « لما قدم النبي المدينة وجد اليهود يصومون يوم عاشوراء فسئلوا عن ذلك فقالوا: هو اليوم الذي أظفر الله فيه موسى وبني اسرائيل على فرعون، ونحن نصوم تعظيماً له، فقال : نحن أولى بموسى، وأمر بصومه» في صحيح البخاري7: 215، وفي هذا الحديث تأصيل لملاحظة الزمان والعناية به.
واستدل بهذا الحديث ابن حجر العسقلاني على مشروعية الاحتفال بالمولد النبوي الشريف، كما في فتوى له نقلها السيوطي في الحاوي للفتاوي1: 196، فقال ما نصه: «فيستفاد منه الشكر لله على ما مَنّ به في يوم معين من إسداء نعمة أو دفع نقمة، ويعد ذلك في نظير ذلك اليوم من كل سنة، والشكر لله يحصل بأنواع العبادة كالسجود والصيام والصدفة والتلاوة، وأي نعمة أعظم من النعمة ببروز هذا النبي نبي الرحمة في ذلك اليوم».
8. عقَّ رسول الله عن نفسه بعد نبوته ، قال السيوطي في حسن المقصد1: 196: « وقد ظهر تخريجه على أصل آخر وهو ما أخرجه البيهقي عن أنس أن النبي عقَّ عن نفسه بعد النبوة، مع أنه قد ورد أن جدّه عبد المطلب عقَ عنه في سابع ولادته، والعقيقة لا تعاد مرّة ثانية، فيحمل ذلك على أن الذي فعله النبي إظهار الشكر على إيجاد الله إياه رحمة للعالمين، وتشريع لأمته كما كان يُصلي على نفسه لذلك، فيستحب لنا أيضاً إظهار الشكر بمولده بالاجتماع وإطعام الطعام ونحو ذلك من وجوه القربات وإظهار المسراتـ وأما الاجتماع على الخير فهو مشروع بدليل قوله : « يقعد قوم يذكرون الله إلا حفتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، ونزلت عليهم السكينة، وذكرهم الله فيمن عنده» في صحيح مسلم ر2700.
قال ابن حجر الهيتمي في الفتاوى الحديثية ص150: «وفيه أوضح دليل على فضل الاجتماع على الخير، والجلوس له، وأن الحالتين على خير...».
9. إن النّبيّ قال في فضل الجمعة: «فيه خلق آدم» في الموطأ 1: 108، وسنن الترمذي ر419، وصححه، فقد تشرف يوم الجمعة بخلق آدم، فبدلالة النص وفحوى الخطاب وقياس الأولى ثبت فضل اليوم الذي ولد فيه رسول الله ، بل يكون له نفس الفضل كلما تكرّر، كما هو الفضل بيوم الجمعة.
من اقوال العلماء في استحسان الاحتفال بالمولد:
انعقد الإجماع على استحسان الاحتفال بالمولد، فقد ذكر العلماء أوّل مَن فعل المولد هو الملك المظفر صاحب إربل، وكان يحضر المولد الأكابر من العلماء وغيرهم، وقد استحسنه غيرُ واحد من الأئمة المجتهدين، ومنهم:
قال أبو شامة المقدسي (ت665هـ) في «الباعث على إنكار البدع والحوادث»: «ومن أحسن ما ابتدع في زماننا ما يفعل في اليوم الموافق ليوم مولده من الصدقات والمعروف واظهار الزينة والسرور، فإن نفي ذلك – مع ما فيه من الإحسان للفقراء- إشعار بمحبته ».
قال السيوطي في «حسن المقصد في عمل المولد»، الذي ألفه في استحباب الاحتفال بالمولد النبوي الشريف، قال بعد سؤال رفع إليه عن عمل المولد النبوي في شهر ربيع الأول ما حكمه من حيث الشرع، وهل هو محمود أو مذموم، وهل يُثاب فاعله؟ قال: والجواب عندي أن اصل عمل المولد الذي هو اجتماع الناس وقراءة ما تيسر من القران ورواية الأخبار الواردة في مبدأ أمر النبي وما وقع في مولده من الآيات، ثم يمد لهم سماط يأكلونه وينصرفون من غير زيادة على ذلك، وهو من البدع الحسنة التي يثاب عليها صاحبها؛ لما فيه من تعظيم قدر النبي وإظهار الفرح والاستبشار بمولده الشريف».
قال ابن الجزري في «عرف التعريف بالمولد الشريف»: «إنّه صحّ أنّ أبا لهب يخفف عنه العذاب في النار كل ليلة اثنين لإعتاقه ثويبة عندما بشرته بولادة النبي ، فإذا كان أبو لهب الكافر الذي نزل القرآن بذمه جوزي في النار بفرحه ليلة مولد النبي ، فما حال المسلم الموحد من أمّة النبي يسر بمولده ويبذل ما تصل إليه قدرته في محبته، لعمري إنما يكون جزاؤه من الله الكريم أن يدخله بفضله جنة النعيم. وأنشد الحافظ شمس الدين الدمشقي في كتابه المسمى «مورد الصادي في مولد الهادي»:
إذا كان هذا كافراً جاء ذمه * وتبت يداه في الجحيم مخلدًا
أتى أنه في يوم الاثنين دائمًا * يخفف عنه للسرور بأحمدًا
فما الظن بالعبد الذي طول عمره * بأحمد مسروراً ومات موحداً
قال ابن كثير في البداية والنهاية2: 108 في ترجمة أبي الخطاب بن دحية: «كان من أعيان العلماء ومشاهير الفضلاء، قدم من المغرب فدخل الشَّام والعراق واجتاز يإربل سنة (604هـ) فوجد ملكها المعظم مظفر الدين بن زين الدين يعتني بالمولد، فعمل له كتاب «التنوير في مولد البشير النذير» وقرأه عليه بنفسه فأجازه بألف دينار».
قال ابن حجر العسقلاني: «أصل عمل المولد بدعة لم تنقل عن أحد من السلف الصالح من القرون الثلاثة: الصحابة والتابعين وتابع التابعين، ولكنها مع ذلك قد اشتملت على محاسن وضدها، فمن تحرى في عملها المحاسن وتجنب ضدها كان بدعة حسنة، وإلا فلا». فهذه إشارة لطيفة وتنبيه عابر لأهمية إحياء هذه المناسبة العطرة في قلوب المؤمنين؛ ليزدادوا حباً وتعظيماً وتوقيراً لنبيهم ، وتمسكاً بسنته ونهجه الكريم في حياتهم، وقد ألف ما لا يحصى من الكتب في مولده الشريف، ومنها: «الاحتفال بذكرى المولد النبوي الشريف» لمحمد بن علوي المالكي، و«إتقان الصنعة في تحقيق معنى البدعة» لعبد الله الغماري، و« النعمة الكبرى في مولد سيد الأنام» لابن حجر الهيتمي، و« الهدي التام في موارد المولد النبوي وما اعتيد فيه من القيام» لمحمد علي بن حسين المالكي، و« البيان النبوي عن فضل، مظهر الكمالات في مولد سيد الكائنات» لسلامه الراضي، »السانحات الأحمدية والنفثات الروعية في مولد خير البرية» لمحمد بن عبد الكبير الكتاني، و« النظم البديع في مولد الشفيع» ليوسف بن اسماعيل النبهاني، و»مولد المناوي» لعبد الرؤوف المناوي، و « القول الجلي في الرد على منكر المولد النبوي» لأبي هاشم السيد الشريف، »ابتغاء الوصول لحبّ الله بمدح الرسول ومشروعية قراءة المولد» لأبي محمد الويلتوري، و«الحجج الدامغة والبراهين الساطعة في جواز الاحتفال بالمولد النبوي الشريف» لحامد أحمد بابكر.والله أعلم.