السؤال
هل تعليلات الفقهاء الكبار راجعة للمعاني المالية في اعتبار الحقوق أموالاً؟
الإجابة
إن التعليلات التي علل بها الفقهاء في عدم جواز الاعتياض في الحقوق راجعة للمعاني المالية المعتبرة في المال والمنافع من الجهالة المفضية للنزاع وعدم حفظ الحقوق والتمول العرفي، فكان الجواز وعدمه مبنيّ على تحققها، كما يظهر في حقوق التصرفات المالية الآتية:
فالمرورُ حَقٌّ متعلِّقٌ بملكٍ للأرض، فملكي يَمنع غيري من الاستفادةِ من أرضي إلا بإذن، فإذا أراد المرور لا بُدّ من الإذن، فيمكن بيع جزء من أرضي له ليمر منها أو إجارته جزءاً للمرور منه فيكون مؤقتاً، أو بيعه حقّ المرور بحيث يكون مؤبَّداً، فكما جاز بيع الأصل جاز بيع بعض متعلَّقاتها وهو المرور، والاختلافُ فيه راجعٌ لإمكانيةِ ضبطه وعدمه.
والكلام في حق المسيل يشبه الكلام في حق الطريق إلا أن الجهالة فيه أكثر، فمنع منه.
والكلام في حقِّ التعلي يُشبه المسيل والطريق، إلا أنه ظهرت مشكلة انعدام الأصل، وهو البناء، فيضيع بسببه حقُّ صاحب التعلي، فمنع منه، فكان المانعُ منه ضياع حقّ صاحب التعلي، فإن تحقق حفظ حقّه من الضياع ينبغي أن يتغير الحكم.
قال شيخنا العثماني في بحوث في قضايا فقهية معاصرة1: 96: «ذكر في «الدر المختار» أنّ رواية جواز بيع حق المرور أخذ بها عامة المشايخ، وقال ابن عابدين: قوله: وبه أخذ عامة المشايخ، قال السائحاني: وهو الصحيح وعليه الفتوى، «مضمرات».
والفرق بينه وبين حق التعلي حيث لا يجوز، هو أن حقّ المرور حقّ يتعلق برقبة الأرض، وهي مال هو عين، فما يتعلق به له حكم العين، أما حقّ التعلي فمتعلق بالهواء، وهو ليس بعين مال، وبه يظهر أن المختار عند المتأخرين من الحنفية جواز بيع حق المرور؛ لكونه حقاً يتعلق بالعين، فأخذ حكم العين في جواز البيع، وكان ينبغي على هذا الأصل أن يجوز بيع حق التسييل على الأرض أيضاً؛ لكونه حقّاً يتعلق بعين، وهي الأرض، غير أنهم منعوه لجهالة محل التسييل، لا لكونه حقّاً مجرداً، كما يظهر من تعليل صاحب «الهداية»، ومقتضى هذا التعليل أن يجوز هذا البيع أيضاً إذا ارتفعت الجهالة بتعيين محل التسييل بأن لا يتجاوز الماء ذلك المحل».
والكلام في حقِّ الشِّرب يُشبه المسيل من الجهالة، إلا أنه أَفتى بجوازه للعرف به، قال السَّرَخسيُّ في المبسوط14: 136: «بيع الشرب فاسد، فإنه من حقوق المبيع بمنزلة الأوصاف، فلا يفرد بالبيع، ثم هو مجهول في نفسه غير مقدور التسليم؛ لأن البائع لا يدري أيجري الماء أم لا؟ وليس في وسعه إجراؤه، قال: وكان شيخنا الإمام يحكي عن أستاذه أنه كان يُفتي بجواز بيع الشرب بدون الأرض، ويقول: فيه عرف ظاهر في ديارنا بنسف، فإنهم يبيعون الماء...»، وقال في المبسوط23: 171: «وبعض المتأخرين من مشايخنا أفتى أن يبيع الشرب وإن لم يكن معه أرض للعادة الظاهرة فيه في بعض البلدان، وهذه عادة معروفة بنسف، قالوا: المأجور الاستصناع للتعامل وإن كان القياس يأباه، فكذلك بيع الشرب بدون الأرض».