إخراج أجرة الطبيب والبيت من الزكاة

السؤال
هل يُمكن لطبيب مستحقٍّ عليه الزكاة معالجة المرضى الفقراء مجاناً، ويُنقص الأجرة المعلومة والمُستحق دفعها من الفقير من زكاته، ومثله مَن يَملك بيتاً، فيُسكنه الفقير مجاناً، ثم يُنقص الأُجرة المعلومة المستحقة على الفقير من الزكاة؟
الإجابة
جواب: معلومٌ أنّ المنفعة ليست بمال في نفسها، وإنّما تُصبح مالاً بالتّقوم، وتقوّمها يكون بالعقد، ففي جامع الرموز ص113: «والتّحقيق على ما في الأصول: أنها ليست بمال»، وفي التجريد 9: 4703: «الأعيان متقوّمة بنفسها، والمنافع غير مقوّمة بنفسها، وإنما تتقوّم بالعقد». فإن قُوِّمت المنفعة بالعقد صارت مالاً؛ لذلك صحَّ أن تكون المنفعة مهراً للمرأة: كمَن تزوّج امرأةٍ على منفعة دار لسنة مثلاً؛ لأنّها صارت متقوّمة بالعقد، فكانت مالاً؛ ففي المبسوط23: 145: «والمنفعة مال متقوم في حكم الصداق، فتصحّ التسمية، ويلزم تسليمها». فإذا ثبت أن المنفعة تصير مالاً بالعقد، وكان بين الغني والفقير عقد، جاز للفقير توكيل الغني بقضاء دينه الذي هو بدل المنفعة، فصار الغني بالإذن من الفقير وكيلًا عنه في القَبض وقضاء الدين، وهذه الصورة جائزة؛ لأنها قضاء دين الحي بأمره، كأن الفَقيرَ قَبَضَ بنفسه، فحصل شرط التمليك للفقير، ففي تحفة الفقهاء1: 307: «إذا قضى دين حي فقير، فإذا قضى بغير أمره يكون متبرعاً، ولا يقع عن الزكاة، وإن قضى بأمره فإنه يقع عن الزكاة، ويصير وكيلاً في قبض الصّدقة عن الفقير، والصرف إلى قضاء دينه، فقد وُجد التمليك من الفقير فيجوز». بالتالي ما يكون بين المريض والطبيب عقد فيه أُجرة معلومة، فتكون المنفعة مالاً، فيُجزئ أن يدفع عوضاً عنها من مال الزكاة، بحيث يخصص الطبيب لزكاته صندوق أو حساب بنكي خاص، ويدفع الطبيب الزكاة فيه، ويكون له نظامه وإدارته الخاصة التي يمكن يشارك فيها الطبيب أو لا، بحيث يقوم هذا الصندوق بسداد ديون المرضى الفقراء، وبالتالي خرجت الزكاة من الطبيب، ودخلت في الصندوق، والصندوق كشخصية حكمية لها إدارتها تقوم بتسديد الأجور. وعلى الطبيب أن يُعْلِم الفقراء أن أُجرتهم تدفع من صندوق خاصٍّ بالمساعدة للفقراء، حيث تُصبح ديناً على الفقير وتُسَدَّدُ من صندوق الزكاة، واعلام الفقراء؛ لأنّه يُشترط أن يكون الدّفع بأمر الفقير، حتى يكون الدافعُ وكيلاً عن الفقير في الدفع. ومثلاً يُمكن لغير الطبيب من أصحاب المنافع كأصحاب بيوت الأجرة وغيرهم أن يفعلوا هذه الحيلة، وهذه حيلةٌ حسنةٌ لمساعدة الفقراء ولتمكين أصحاب المنافع من إعانتهم بما يَملكون من منافع. وهناك حيل أخرى مباحة منها ما في هدية الصعلوك ص133: «والحيلة فيه: أن يتصدق له بخمسة دراهم عيناً ينوي به زكاة ماله، ثم يأخذها منه قضاءً عن دينه فيحل له ذلك»: أي أن يدفع للفقير مقدار الدين المستحق بسبب المنفعة أو غيرها، ثم يطالبه أن يرجعها له سداداً للدين مثلاً. وإن كان أصل المذهب على أنّه لا يجوز أن تكون المنفعة بالعقد ابتداءً زكاة مع أنها مال، قال في البحر 2: 217: «والمال كما صرح به أهل الأصول ما يتموّل ويدّخر للحاجة، وهو خاص بالأعيان، فخرج تمليك المنافع قال في «الكشف الكبير» في بحث القدرة الميسرة: الزّكاة لا تتأدى إلا بتمليك عين متقوّمة، حتى لو أسكن الفقير داره سنة بنيّة الزّكاة لا يُجزئه؛ لأنّ المنفعةَ ليست بعيّن متقومة». ولأنّ المنفعة تثبت ديناً في ذمّة الفقير، وما ثبت في ذمة الفقير دين ضعيف في مقابله دين قوي مستحقٌّ دفعه على المزكّي، ولا يجزئ الضَّعيف عن القويّ، كما صرّحوا، ففي رد المحتار2: 271: «لا يجوز أداء الدّين عن العين كجعله ما في ذمة مديونه زكاة لماله الحاضر». لكن بالوصف السابق خرجت الزكاة من ملك الغني، وصارت في صندوق خاصٍّ كجهة ثالثة، ثمّ سُدِّد منها الدين المستحقُّ على الفقير، واللجوءُ لمثل هذه الحيلة فيها خيرٌ كبيرٌ للفقراء في تقديم العديد من المنافع التي لا غنى لهم عنها مجاناً، وتَرغيباً لأصحاب الأموال بدفع زكاوتهم بصور مختلفة، والله أعلم.
imam icon

أرسل سؤالك إلى المساعد الذكي

إذا لم تكن الإجابات السابقة مناسبة، يرجى إرسال سؤالك إلى المفتي عبر