السؤال
هل صحيح ما ينقل من أن بعض فقهاء الحنفية منع من أن يتزوج الحنفي شافعيةً ؛ لأنها تشك في إيمانها؛ لأن الشافعي يقول : (أنا مؤمن إن شاء الله)، ثم أصدر بعض الحنفية فتوى بجواز تزويج الحنفي بالشافعية تنزيلاً لها منزلة أهل الكتاب ؟
الإجابة
أقول وبالله التوفيق: إن هذا الحكم غير صحيح البتة، وإنما هي من صنيع مَن أراد أن ينفرَ الناس عن مذهب أهل السنة بالتزام أحد مذاهبه الفقهية، وتبشيع صورة هذه المذاهب، وتقبيح حال أهلها، ومما يدلّ على ذلك:
1. إن مَن يذكر هذه المسألة فليبين العلّة من ورائها، وما هو الدافع لهذا التحريم، أهو مجرد الهوى والمزاج كما يظنّ هؤلاء بالمذاهب وأهلها، أم هناك مسألة فقهية ينبني عليها هذا التحريم؟ ومهما بحث ونقّب فلن يجد لضالته من سبيل، بل سيجد كلّ العبارات والنصوص الفقهية دالة وظاهرة في حلّيّة زواج أصحاب المذاهب من بعضهم البعض.
2. إن هذه المسألة وإن ذكرت في بعض كتب الفتاوى، لكنها ليست راجعة إلى اختلاف فقهي بين المذاهب، وإنما إلى ما حصل من اختلافات عقدية بين علماء الأمة المحمدية، ولا شأن للخلاف الفقهي فيها، وإنما يعرض الحكم الفقهي المترتب على الخلاف العقدي، فحقّ مَن يتكلم بهذه المسألة أن يبيِّن أن الخلاف فيها مبنيّ على اختلافات عقدية لا تعصبات فقهية.
3. إن هذا الحكم غير منقول عن المجتهدين، بل عمَّن هم دونهم، ومعلوم أنه لا عبرة إلا باجتهاد المجتهد وحكم الفقيه، وما سواهم لا كلام لهم في بيان الأحكام، وإظهار شعائر الإسلام، فبعضُ ما يقع في الكتب من التكفير لا يؤخذ به إلا بعد التمحيص والتدبير، وقد ذكر في «المحيط»: «يقع في كلام أهل المذاهب تكفير كثير، ولكن ليس من كلام الفقهاء الذين هم المجتهدون، بل مَن غيرهم، ولا عبرة بغير الفقهاء». كما نص عليه في عامة الكتب. 4. إن الكتب الفقهية ليست بمنزلة سواء، بل متفاوتة في الدرجات والاعتبار والاعتماد، فلابدّ لكل راجع إليها من معرفة مراتبها وأحوال مؤلفيها؛ لأن كثيراً منها جمع الغثّ والسمين والرطب واليابس، القارئ فيها من غير دراية ولا رويّة كحاطب ليل يظنّ الأفعى حطباً ويأخذها فتلدغه، وإن هذه المسألة ذكرها بعض أصحاب الفتاوى، ومعلوم أنها كالصحارى، قال اللكنوي: «إن الفقيه مَن يتدبَّر ويتفكَّر لا مَن يمشي على الظاهر ولا يتدبّر، ولنعم ما خطر بخاطري، الفتاوى كالصحاري تجمع الرطب واليابس لا يأخذ بكل ما فيها إلا الناعس». وقال أيضاً: «واعلم أنه ينبغي للمفتي أن يجتهد في الرجوع إلى الكتب المعتمدة، ولا يعتمد على كل كتاب، لا سيما الفتاوى التي هي كالصحاري، ما لم يعلم حال مؤلفه، وجلالة قدره، فإن وجد مسألة في كتاب لم يوجد لها أثر في الكتب المعتمدة، ينبغي أن يتصفّح ذلك فيها، فإن وجد فيها، وإلا لا يجترئ على الإفتاء بها». 5. إن هذه المسألة ذكرها فحول علماء المذهب لبيان بطلانها والردّ عليها لا لتأييدها، وإن كانت مبنيّة على خلاف عقدي؛ إذ نقلوا كلام الرستغفني: «لا تجوز المناكحة بين أهل السنة والاعتزال»، ثم كلام الفضل: «لا يجوز بين مَن قال: أنا مؤمن إن شاء الله تعالى; لأنه كافر»، وبيَّنوا أن بعضهم بنى عليها: منع مناكحة الشافعية، ومع ذلك اختلف فيها هكذا، قيل: يجوز، وقيل: يتزوج بنتهم ولا يزوجهم بنته، وعلل هذا القول في «البزّازية» بقوله: «تنزيلاً لهم منزلة أهل الكتاب». ثمّ أنكروا ذلك وردّوه أشدّ ردٍّ، ومن ذلك:
قول ابن نجيم: «إن القول بتكفير مَن قال: أنا مؤمن إن شاء الله، غلطٌ، ويجب حمل كلامهم على مَن يقول ذلك شاكاً في إيمانه، والشافعية لا يقولون به, فتجوز المناكحة بين الحنفية والشافعية بلا شبهة. وأما المعتزلة فمقتضى الوجه حلّ مناكحتهم; لأن الحقّ عدم تكفير أهل القبلة كما قدمنا نقله عن الأئمة في باب الإمامة». فانظر كيف أنهم لم يكفروا الفرق الأخرى كالمعتزلة، وجوّزوا مناكحتهم، فكيف يحرمون نكاح أهل السنة؟!.
وقول ابن الهمام: «ولا يخفى أن مَن قال: أنا مؤمن إن شاء الله تعالى، فإنما يريد إيمان الموافاة صرَّحوا به، يعنون الذي يقبض عليه العبد؛ لأنه إخبارٌ عن نفسه بفعل في المستقبل أو استصحابه إليه، فيتعلّق به قوله : {وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً إلاّ أن يَشَاءَ الله} [الكهف:23-24]، وعلى هذا فيكون قوله: إن شاء الله شرطاً لا كما يقال: إنه لمجرد التبرك, وكيف كان لا يقتضي ذلك كفره غير أنه عندنا خلاف الأولى؛ لأن تعويد النفس بالجزم في مثله ليصير ملكة خير من إدخال أداة التردد في أنه هل يكون مؤمناً عند الموافاة أو لا؟ وأما المعتزلة فمقتضى الوجه حلّ مناكحتهم؛ لأن الحقّ عدم تكفير أهل القبلة، وإن وقع إلزاماً في المباحث, بخلاف مَن خالفَ القواطع المعلومة بالضرورة من الدين مثل: القائل بقدم العالم، ونفي العلم بالجزئيات على ما صرح به المحققون...». وهنا فائدة أخرى: أن هذه المباحث نظرية لا عملية يفيده قول ابن الهمام إنه من باب الإلزام في المباحثة.
وإذا ألقيت بالاً لما سبق علمت أن هذه دعوى جوفاء، لا ينبغي لصاحب العقل الرزين، والنفع العميم أن يعير لها انتباهاً، ويترك لها مجالاً في الفساد والإفساد، والله الموفق للسداد