أَجَابَ: : لَا شُبْهَةَ فِي كَوْنِ الْمَاءِ الْمُحْرَزِ بِهَا مَمْلُوكًا لِأَرْبَابِهَا؛ لِأَنَّهَا وضعت لإحْرَازِ الْمَاءِ، وَلَيْسَتْ كَالْآبَارِ الْمَعِينَةِ وَالْحِيَاضِ الَّتِي لَمْ تُوضَعْ لِلْإِحْرَازِ، وَلِي فِي ذَلِكَ رِسَالَةٌ، قُلْتُ فِيهَا بَعْدَ إِيرَادِ كَلَامِهِمْ : يَجِبُ فِي الصهاريج الْمَوْضُوعَةِ في الدورِ الَّتِي فِي الْأَمْصَارِ وَالْقُرَى لِإِحْرَازِ الْمَاءِ النَّازِلِ مِنَ السَّمَاءِ أَنْ نَقُولَ بِأَنَّ الْمَاءَ يُمْلك بِذَلِكَ، وَيَصِيرُ مِنْ قِسْمِ الْمَاءِ الَّذِي فِي نِهَايَةِ الِاخْتِصَاصِ، وَقَدْ أَفْتَيْتُ بِذَلِكَ مِرَارًا، وَلَا يُنَافِيهِ مَا فِي (الْوَلْوَالِجِيّةِ) وَكَثِيرٍ مِنَ الْكُتُبِ : لَوْ نَزَحَ مَاءَ بِشْرٍ رَجُلٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِ حَتَّى يَبِسَتْ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ صَاحِبَ الْبِثْرِ غَيْرُ مَالِكِ لِلْمَاءِ، وَلَوْ صَبَّ مَاءَ رَجُلٍ كَانَ فِي الْجُبِّ يُقَالُ لَهُ امْلَأَهُ الْمَاءَ؛ لِأَنَّ صَاحِبَ الْجُبِّ مَالِكٌ لِلْمَاءِ، وَهُوَ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ فَيَضْمَنُ مِثْلَهُ انْتَهَى.
لأَنَّ ذَلِكَ فِي الْبِيْرِ الْمَعِينِ ، وَأَمَّا الصَّهَارِيجُ الَّتِي تُوضَعُ لِإِحْرَازِ الْمَاءِ فِي الدُّورِ فَلَا شُبْهَةً فِي أَنَّ مَاءَهَا مَمْلُوكُ لِأَصْحَابِهَا بِمَنْزِلَةِ الْجِبَابِ وَالْأَوَانِي، وَمِمَّا صَرَّحُوا بِهِ فِي بَابِ الشُّرْبِ نَقْلَا عَنْ فَتَاوِي أَهْلِ سَمَرْ قَندَ : رَجُلٌ وَضَعَ طَسْتًا عَلَى سَطْحٍ، وَاجْتَمَعَ فِيهِ مَاءُ الْمَطَرِ، فَجَاءَ رَجُلٌ وَرَفَعَ ذَلِكَ الْمَاءَ وَتَنَازَعَا فِيهِ، يُنْظَرُ إِنْ كَانَ صَاحِبُ الطَّسْتِ وَضَعَهُ لِذَلِكَ فَهُوَ لَهُ، وَإِنْ لَمْ يَضَعْهُ لِذَلِكَ فَهُوَ لِلرَّافِعِ انْتَهَى.
فَعُلِمَ بِهِ أَنَّ الْفَرْقَ فِي ذَلِكَ قَصْدُ الأحْرَازِ وَعَدَمُهُ وَلَا شَكٌّ أَنَّ الصَّهَارِيجَ فِي الدُّورِ إِنَّمَا تُوضَعُ لِإِحْرَازِ الْمَاءِ، فَيُمْلَكُ مَاؤُهَا كَالصَّيْدِ إِذَا دَخَلَ الدَّارَ، فَأَغْلَقَ عَلَيْهِ الْبَابَ لِيَأْخُذَهُ مَلَكَهُ، وَأَمَّا إِذَا لَمْ تُوضَعْ لِذَلِكَ؛ لَا يُمْلَكُ كَالصَّيْدِ إِذَا تَكَنَّسَ فِي أَرْضِ إِنْسَانٍ لَا يَمْلِكُهُ صَاحِبُ الْأَرْضِ بِذَلِكَ، وَصَرَّحُوا بِأَنَّهُ لَوْ حَدَّقَ حَوْلَ أَرْضِهِ وَهَيَّأَهَا لِلْإِنْبَاتِ حَتَّى نَبَتَ الْقَصَبُ ؛ صَارَ مِلْكًا لَهُ، وَقَدْ بَحَثَ الْكَمَالُ فِي الْبِشْرِ يَعْنِي الْمَعِينَةَ؛ لِأَنَّهَا الْمُنْصَرِفَةُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَمْلِكَ حَافِرُهَا وَطَاوِيهَا مَاءَهَا بِحَفْرِهِ وَطَيْهِ لِتَحْصِيلِ الْمَاءِ، فَكَيْفَ يُتَوَقفُ فِي مِلْكِ الْمَاءِ بِإِحْرَازِهِ فِي الصهاريج الْمَوْضُوعَةِ لِذَلِكَ.
وَأَمَّا دَعْوَى الْجَارِ الَّذِي لَا يَدَ لَهُ عَلَى الصهريج، لَا شَكٌّ أَنَّهُ لَا يُقْضَى لَهُ بِمُجَرَّدِ دَعْوَاهُ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ وَالْحَالُ هَذِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.