أَجَابَ: إِذَا ثَبَتَ الاِسْتِقْرَاضُ مِنْ عَمْرٍو لَا يُنْظَرُ إِلَى جَوَابِهِم الْمَذْكُورِ؛ لِأَنَّ حَاصِلُهُ الْإِنْكَارُ، وَمَعَ النُّبُوتِ بِإِحْدَى الْحُجَجِ الثَّلَاثِ لَا يُفِيدُ الْإِنْكَارُ، وَلَا وَجْهَ لِلْزُومِ بَدَلَ الْقَرْضِ لِزَيْدِ وَالْحَالُ هَذِهِ، وَإِنْ قُلْنَا بِأَنَّ الْمُقَاطَعَةَ عَلَى الْقُرَى وَالْمَزَارِعِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يُفْعَلُ الْآنَ لَيْسَ أَمْرًا شَرْعِيَّا؛ إِذْ الِاسْتِقْرَاضُ نَفْسُهُ أَمْرٌ شَرْعِيٌّ يُثْبِتُ بَدَلَ الْقَرْضِ دَيْنَا لَازِمًا فِي ذِمَّةِ الْمُسْتَقْرِضِ، وَإِنْ صَرَفَهُ فِي أَيِّ شَيْءٍ كَانَ، فَإِذَا ثَبَتَ الاِسْتِقْرَاضُ بِذِمَّةِ مُتَكَلِّمِي بَعْضِ الْقُرَى بِإِحْدَى الْحُجَجِ الشَّرْعِيَّةِ لَا يُتَصَوَّرُ ثبوتهُ بِعَيْنِهِ فِي ذِمَّةِ زَيْدٍ بِهِ، وَقَدْ تَقَرَّرَ فِي الْمُتُونِ كَافَّةٌ عَدَمُ صِحَّةِ التَّوْكِيلِ بِالاسْتِقْرَاضِ الْمُطْلَقِ، فَلَا يُمْكِنُ التَّوْفِيقُ بَيْنَ دَعْوَى الْقَرْضِ عَلَى الْمُتَكَلِّمِينَ وَبَيْنَ الدَّعْوَى عَلَى زَيْدٍ بِالْقَرْضِ الَّذِي ادَّعَاهُ عَلَيْهِم بِعَيْنِهِ لِلْمُنَافَاةِ بَيْنَ كَوْنِهِ أَقْرَضَهُ لَهُم، وَبَيْنَ كَوْنِهِ أَقْرَضَه بِعَيْنِه لَه فَلَيْسَ لَهُ الدَّعْوَى عَلَى زَيْدٍ بَعْدَ دَعْوَاهُ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّهُ كَأَنَّهُ قَالَ: الْمَالُ الَّذِي اسْتَقْرَضْتُمُوهُ مِنِّي وَاسْتَقَرَ بَدَلُهُ بذمَّتِكُمُ اسْتَقْرَضَهُ بِعَيْنِهِ زَيْدٌ لَا أَنْتُمْ وَلَا شُبْهَةً فِي أَنَّ ذَلِكَ تَناقُضٌ يَمْنَعُ مِنْ صِحَّةِ الدَّعْوَى، وَجَوَابُهُمْ أَنَّ الْقَرْضَ لَا حَقِيقَةَ لَهُ إِنْكَارُ، وَالْمُنْكِرُ لَا بَيْنَةَ عَلَيْهِ، فَكَيْفَ يُقِيمُونَ عَلَى ذَلِكَ شَاهِدَيْنِ؟ وَالْقَوْلُ قَوْلُهُمْ: إِنَّا مَا اسْتَقْرَضْنَا.
فَمَنْعُ الْحَاكِمِ عَمْرًا لِعَدَمِ بَيِّنَةٍ لَهُ عَلَيْهِمْ لَا يُوجِبُ كَوْنَ مَا يَدَّعِيهِ لَازِمًا عَلَى زَيْدٍ، فَكَيْفَ يَكُونُ لَازِمًا عَلَيْهِ بِجُحُودِهِمُ الِاسْتِقْرَاضَ؟
وَحَيْثُ بُنِي الْحُكْمِ عَلَى مُجَرَّدِ مَا هُوَ الْمَشْرُوحُ فِي السُّؤَالِ فَلَيْسَ حُكْمًا شَرْعِيَّا قَطْعًا، وَمِمَّا يَقْطَعُ الشَّغَبَ مَا ذَكَرَهُ الْبَزَّازِيُّ فِي الدَّفْعِ: ادَّعَى عَلَى زَيْدٍ مَالًا وَحَلَفَهُ، ثُمَّ ادَّعَاهُ عَلَى خَالِدٍ وَزَعَمَ أَنَّ دَعْوَاهُ عَلَى زَيْدٍ كَانَ ظَنَّا، لَا يُقْبَلُ لِأَنَّ الْحَقِّ الْوَاحِدَ كَمَا لَا يُسْتَوْفَى مِنَ اثْنَيْنِ لَا يُخَاصَمُ مَعَ اثْنَيْنِ بِوَجْهِ وَاحِدٍ. انْتَهَى. فَهَذَا صَرِيحٌ فِي وَاقِعَةِ الْحَالِ قَطْعًا مِنْ غَيْرِ إِشْكَالِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.