شأن الجاهل مع العالم

السؤال
سُئِلَ: فِي رَجُلٍ شَابَ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ الشَّرِيفِ، وَفَضْلَ حَتَّى تَصَرَّفَ فِي التَّدْرِيسِ وَالتَّصْدِيرِ، وَقَدْ جَمَعَهُ مَجْلِسٌ بِرَجُلٍ جَاهِلِ يَدَّعِي أَنَّهُ قُرَشِيٌّ، فَارْتَفَعَ عَلَيْهِ وَأَزَاحَهُ عَنْ مَوْضِعِهِ وَجَلَسَ فَوْقَهُ مُتَعَدِّيَا عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ طَالِبُ الْعِلْمِ: لَيْسَ لَكَ أَنْ تَجْلِسَ فَوْقَ الْعُلَمَاءِ، لِأَنَّكَ جَاهِلٌ، وَأَنَا أَعْرِفُكَ ، وَأَعْرِفُ أَبَاكَ، وَغَضِبَ غَيْرَةً عَلَى الْعُلَمَاءِ وَالْعِلْمِ، فَرَفَعَهُ بِسَبَبٍ ذَلِكَ لِلشُّرْطَةِ وَلِبَعْضِ قُضَاةِ الْعَهْدِ، فَحُبِسَ بِسَبَبٍ ذَلِكَ وَغُرِّمَ مَالًا عَظِيمًا، فَهَلْ يَلْزَمُهُ بِسَبَبٍ مَا ذُكِرَ تَعْزِيرٌ أَوْ تَغْرِيمٌ أَمْ لَا؛ لِكَوْنِهِ مَا تَكَلَّمَ إِلَّا حَقًّا، وَلَا نَطَقَ إِلَّا صِدْقًا؟ وَإِذَا قُلْتُمْ لَا ، هَلْ يَضْمَنُ الرَّافِعُ لَهُ مَا غَرِمَهُ بِغَيْرِ وَجْهِ إِنْ تَعَذَّرَ الْأَخُذُ مِنَ الْمُغْرِمِ؟ وَهَلْ إِذَا رَفَعَ أَمْرَهُ لِقَادِرٍ عَلَى اسْتِرْدَادِ الْمَالِ الَّذِي غَرِمَهُ مِمَّنْ غَرَّمَهُ يُفْتَرَضُ عَلَى الْقَادِرِ انْتِزَاعُهُ مِنْ آخِذِهِ؛ لِكَوْنِهِ ظُلْمًا أَمْ لَا؟
الإجابة

أَجَابَ: اعْلَمْ أَوَّلًا أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى الْجَاهِلِ التَّقَدُّمُ عَلَى الْعَالِمِ، حَيْثُ أَشْعَرَ تَقَدُّمُهُ بِنْزُولِ دَرَجَتِهِ عِنْدَ الْعَامَّةِ؛ لِمُخَالَفَتِهِ لِقَوْلِهِ عَزَّ مِنْ قَائِلِ : ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ امَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَتِ﴾ (المجادلة : ) وَقَدْ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنه: لِلْعُلَمَاءِ دَرَجَاتٌ فَوْقَ الْمُؤْمِنِينَ بِسَبْعِمِائةِ دَرَجَةٍ مَا بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ مَسِيرَةً خَمْسِمِائَةِ عَامٍ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (الزمرْ: ] وَهَذَا مُجْمَع عَلَيْهِ. فَإِذَا عَلِمْتَهُ عَلِمْتَ أَنَّ الْمُتَقَدِّمَ قَدِ ارْتَكَبَ مَعْصِيَةٌ، وَإِذَا ارْتَكَبَ الْمَعْصِيَةَ يُعَزِّرُ، وَلِلْمُتَقَدِّمِ عَلَيْهِ مُبَاشَرَتُهُ بِنَفْسِهِ حَالَ الِارْتِكَابِ؛ إِذْ يُقِيمُهُ كُلُّ أَحَدٍ حَالَ الْمُبَاشَرَةِ، وَلِأَنَّهُ انْتِصَارُ بَعْدَ الظُّلْمِ، وَهُوَ مَأْذُونُ فِيهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ، فَأُوْلَيْكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ ﴾ (الشورى: )، وَلَا شَكٍّ أَنَّ الْجَاهِلَ ظَلَمَ طَالِبَ الْعِلْمِ بِتَقَدُّمِهِ عَلَيْهِ، فَلَهُ الانْتِصَارُ بِمِثْلِ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ ، بَلْ وَبِمَا فَوْقَهَا مِمَّا لَيْسَ فِيهِ قَذْفٌ، وَكَوْنُهُ قُرَشِيَّا لَا يُبيحُ لَهُ التَّقَدُّمَ عَلَى ذِي الْعِلْمِ مَعَ جَهْلِهِ؛ إِذْ كُتُبُ الْعِلْمِ طَافِحَةٌ بِتَقَدُّمِ الْعَالِمِ عَلَى الْقُرَشِي، وَلَمْ يُفَرِّقِ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بَيْنَ الْقُرَشِيِّ وَغَيْرِهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ، وَقَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّ حَقَّ الْعَالِمِ عَلَى الْجَاهِلِ تَحَقِّ الْأُسْتَاذِ عَلَى التَّلْمِيذِ ، وَأَنْتَ عَلِيمٌ بِحُرْمَةِ تَقَدُّمِهِ عَلَى أُسْتَاذِهِ، فَإِذَا عَلِمْتَ هَذِهِ الْمُقَدِّمَةَ الَّتِي لَا نَزَاعَ لِأَحَدٍ فِيهَا، فَاقْطَعْ بِعَدَمِ لُزُومِ التَّعْزِيرِ عَلَى طَالِبِ الْعِلْمِ.
وَبِعَدَمِ حَقِيَّةِ شَكْوَى خَصْمِهِ، وَرَفْعِهِ لِلْمُغَرِّمِ عَادَةٌ، وَهُوَ مُوجِبٌ لِلضَّمَانِ عَلَى مَا عَلَيْهِ الْفَتْوَى؛ حَسْمًا لِمَادَّةِ الْفَسَادِ.
وَأَمَّا وُجُوبُ الاِسْتِرْدَادِ عَلَى الْقَادِرِ فَمَعْلُومٌ مِنْ حَدِيثِ: (مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنكَرًا فَلِيُغَيِّرُهُ) الْحَدِيثُ إِلَى الأَخِرِ، وَالظُّلْمُ يَجِبُ إِعْدَامُهُ وَيَحْرُمُ تَقْرِيرُهُ، وَلَا شَكٍّ أَنَّ أَخَذَ الْمَالِ مِنْهُ ظُلْمٌ فَوْقَ ظُلْمِهِ السَّابِقِ، وَلَمْ يُبِحْهُ شَرْعٌ، فَالْمَفْرُوضُ عَلَى ولَاةِ الْأُمُورِ أَنْ يُقَابِلُوا فَاعِلَهُ بِالزَّجْرِ وَالرَّدْعِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

imam icon

أرسل سؤالك إلى المساعد الذكي

إذا لم تكن الإجابات السابقة مناسبة، يرجى إرسال سؤالك إلى المفتي عبر