أَجَابَ: لَا تُسْمَعُ الدَّعْوَى الْمَذْكُورَةُ، وَلَا الْإِشْهَادُ لِأُمُورٍ كَثِيرَةٍ:
مِنْهَا: التّناقُضُ مِنَ الْمُدَّعِي وَالشَّاهِدَيْنِ ، فَالْمُدَّعِي لِسَبْقِ مُقَاسَمَتِهِ لِخَصْمِهِ، وَقَدْ صَرَّحَ الزَّيْلَعِيُّ وَغَيْرُهُ بِأَنَّ الْأَقْدَامَ عَلَى الْقِسْمَةِ؛ اعْتِرَافٌ مِنْهُ بِأَنَّ الْمَقْسُومَ مُشْتَرَكٌ، وَأَمَّا الشَّاهِدَانِ؛ فَقَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّهُ إِذَا كُتِبَ فِي الصَّلِّ مَا هُوَ مُوجِبٌ لِلْإِقْرَارِ، وَكَتَبَ الشَّاهِدُ فِيهِ شَهِدَ بِذَلِكَ، ثُمَّ ادَّعَاهُ مُدَّعِ فَشَهِدَ لَهُ هَذَا الشَّاهِدُ لَا تُقْبَلُ ؛ لأَنَّهُ إِقْرَارُ ، فَيَكُونُ بِالشَّهَادَةِ الثَّانِيَةِ مُتَنَاقِضًا، كَمَا فِي (جَامِعِ الفصولين) وَغَيْرِهِ وَمِنْهَا : أَنَّ مَا فِي صَلِّ الْوَقْفِ مِنْ شَهَادَةِ شَاهِدَيْهِ لَغْمٌ؛ لِأَنَّهُمَا شَهِدَا أَنَّهُ أَشْهَدَهُمَا أَنَّهُ وَقَفَ مِلْكَهُ، وَلَمْ يَشْهَدَا بِأَنَّهُ وَقَفَ وَهُوَ يَمْلِكُهُ؛ فَفِي (الْبَزَّازِيَّةِ) وَغَيْرِهَا: لَوْ شَهِدُوا أَنَّهُ أٌقر، وَأَشْهَدَنَا أَنَّهُ وَقَفَ هَذِهِ الْأَرْضَ وَقْفًا صَحِيحًا، وَكَانَتْ فِي يَدِهِ حَتَّى مَاتَ، لَا تُقْبَلُ، وَلَوْ قَالَا: مَعَ مَا ذَكَرْنَا، وَكَانَ مَالِكُهَا تُقْبَلُ، فَلَوْ كَانَ الْوَاقِفُ بِنَفْسِهِ مَوْجُودًا وَأَشْهَدَ أَنَّهُ وَقَفَ مِلْكَهُ هَذَا لَمْ تُسْتَرَدَّ دَعْوَاهُ الْمِلْكَ عَلَى غَيْرِهِ، كَمَا هُوَ ظاهر.
وَمِنْهَا: عَدَمُ الْمُدَّعِي الَّذِي تُسْمَعُ مِنْهُ الدَّعْوَى فِي الْوَقْفِ وَقْتَ الشَّهَادَةِ، كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ مِنْ عِبَارَةِ الصَّلِّ الْمُتَعَلِّقِ بِشَهَادَةِ الْوَقْفِ.
وَمِنْهَا : أَنَّهُ لا تُسْمَعُ دَعْوَى الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ عَلَى مَا عَلَيْهِ الْفَتْوَى، كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي (الْخُلَاصَةِ، وَالْبَزَّازِيَّةِ).
وَمِنْهَا : أَنَّ الْوَقْفَ لَيْسَ مَحْكُومًا بِلُزُومِهِ لِيُقْبَلَ عَلَيْهِ الْبُرْهَانُ بِلَا دَعْوَى عَلَى الْقَوْلِ بِهِ. وَهُنَاكَ أُمُورُ أُخَرُ فِيهَا اخْتِلَافُ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ.
فَالْحَاصِلُ : أَنَّ الْعِبْرَةَ لِصَكَ الْمُقَاسَمَةِ، وَلَا عِبْرَةً بِالدَّعْوَى الصَّادِرَةِ بِعْدَهَا، وَلَا بِصُورَةِ الْوَقْفِ عَلَى الْكَيْفِيَّةِ الْمَشْرُوحَةِ الصَّادِرَةِ قَبْلَهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.