أَجَابَ: قَدْ أَجَابَ مُفْتِي الْحَنَفِيَّةِ بِمِصْرَ مَوْلَانَا الشَّيْخُ حَسَنُ الشرنبلالي بِقَوْلِهِ: الضَّمِيرُ فِي قَوْلِ الْوَاقِفِ: (وَعَلَى مَنْ سَيَحْدُثُ لَهُ) رَاجِعُ إِلَى الْوَاقِفِ، لَا إِلَى وَلَدِهِ حَسَنٍ، وَلَا يَتَوَهَّمُ رُجُوعَهُ إِلَى حَسَنٍ أَحَدٌ مِمَّنْ لَهُ نَوْعُ إِلْمَامٍ بِمَسَائِلِ الْفِقْهِ، وَحَيْثُ حَدَثَ مُحَمَّدُ ابْنُ الْوَاقِفِ بَعْدَ صُدُورِ الْوَقْفِيَّةِ بِأَنْ لَمْ يَكُنْ سَابِقَ الْحُدُوثِ عَلَى ابْنِهِ حَسَنٍ، صَارَ الِاسْتِحْقَاقُ الْآنَ حَاصًا بِمُحَمَّدِ بْنِ مَحْمُودٍ مُقَدَّمًا عَلَى جِهَةِ سِمَاطِ الْخَلِيلِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَإِلَّا فَهُوَ مُقَدَّمُ عَلَيْهِ.
وَقَدِ اسْتَفْتِي فِي هَذِهِ الْحَادِثَةِ بِمَا هُوَ مُخْتَلِفُ الْمَوْضُوعِ فِي السُّؤَالِ، فَاخْتَلَفَ الْجَوَابُ بِسَبَبٍ ذَلِكَ، فَلَا يُتَوَهَّمْ مُعَارَضَةُ الْإِفْتَاءِ فِيهِ بَيْنَ الْمَشَايِخِ، وَلْيَنْظُرْ مَنْ لَهُ الْأَمْرُ فِي حَقِيقَةِ الْحُدُوثِ وَالسَّبْقِ بَيْنَ مُحَمَّدِ ابْنِ الْوَاقِفِ وَبَيْنَ ابْنِهِ حَسَنٍ، فَإِنْ كَانَ مُحَمَّدٌ سَابِقا، فَالْحَقِّ فِي الاسْتِحْقَاقِ الْآنَ لِسِمَاطِ الْخَلِيلِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَإِنْ كَانَ حَسَنٌ سَابِقَا عَلَى مُحَمَّد فِي الْوُجُودِ، فَالْحَقُّ لِمُحَمَّدِ بْنِ مَحْمُودٍ مُقَدَّمًا عَلَى سِمَاطِ الْخَلِيلِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. اهـ.
وأَقَوْلِ: أَمَّا إِرْجَاعُ الضَّمِيرِ إِلَى الْوَاقِفِ، فَمِمَّا لَا يَشُكُ أَحَدٌ ذُو فَهُم فِيهِ؛ إِذْ هُوَ الْأَقْرَبُ إِلَى غَرَضِ الْوَاقِفِ مَعَ صَلَاحِيَةِ اللَّفْظِ لَه، وَقَدْ تَقَرَّرَ فِي شُرُوطِ الْوَاقِفِينَ أَنَّهُ إِذَا كَانَ لِلَّفْظِ مُحْتَمَلَانِ، يَجِبُ تَعْيِينْ أَحَدٍ مُحْتَمَلَيْهِ بِالْغَرَضِ، وَإِذَا رَجَعْنَا الضَّمِيرَ إِلَى حَسَنٍ، لَزِمَ حِرْمَانُ وَلَدِ الْوَاقِفِ لِصُلْبِهِ وَاسْتِحْقَاقُ أَوْلَادِ أَوْلَادِ أَوْلَادِ بَنَاتِهِ، وَفِيهِ غَايَةُ الْبُعْدِ وَلَا تَمَسُّكَ بِكَوْنِهِ أَقْرَبَ مَذْكُورٍ؛ لِمَا ذُكِرَ مِنَ الْمَحْفُورِ، وَهَذَا لِغَايَةِ ظُهُورِهِ غَنِيٌّ عَنِ الِاسْتِدْلَالِ لَهُ، وَإِذَا كَانَ حُكْمُ الْقَاضِي مَبْنِيًّا عَلَى ذَلِكَ، يَجِبُّ نَقْضُهُ لِكَوْنِهِ عَلَى خِلَافِ الصَّوَابِ، أَمَّا إِذَا كَانَ مَبْنِيًّا عَلَى وُجُودٍ مُحَمَّدٍ آنَ الْوَقْفِ فَهُوَ صَحِيحٌ، لَا يَجُوزُ إِبْطَالُهُ إِذِ الْوَقْفُ عَلَى مَنْ سَيَحْدُثُ، وَمُحَمَّدٌ لَمْ يَحْدُثْ بَعْدَ الْوَقْفِ، فَلَمْ يَتَنَاوَلُهُ لَفْظُ الْوَاقِفِ.
هَذَا، وَقَوْلُ الْمُجِيبِ فِي جَوَابِهِ: وَإِنْ كَانَ حَسَنٌ سَابِقًا فِي الْوُجُودِ، فَالْحَقُّ لِمُحَمَّدِ ابْنِ مَحْمُودٍ مُسْتَدْرَك عليهِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ أَنَاطَ الْحُكْمَ بَسَابِقِيَّةٍ لَهُ فِي الْوُجُودِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، إِذْ لَوْ فَرَضْنَا سَابِقِيَّةَ حَسَنٍ عَلَيْهِ فِي الْوُجُودِ، غَيْرَ أَنَّهُ كَانَ آنَ الْوَقْفِ مَوْجُودًا، لَيْسَ لَهُ حَقٌّ لِمَا قُلْنَا: إِنَّهُ لَمْ يَتَنَاوَلُهُ لَفْظُ الْوَاقِفِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْدُثْ بَعْدَ الْوَقْفِ، وَالْوَاقِفُ إِنَّمَا وَقَفَ عَلَى حَسَنٍ وَعَلَى مَنْ سَيَحْدُثُ، فَلْيَتَنَبَّهُ لِذَلِكَ، وَقُلْتُ:
وَمَا رُمْتُ ذَمَّا لِلْمُجِيبِ وَإِنَّمَا .... خَشِيتُ اقْتِحَامًا فِي قَضَاءٍ مُحَرَّمِ
وَكَيْفَ وَأَحْكَامُ الشَّرِيعَةِ وَاجِبٌ .... صِيَانَتُهَا عَنْ كُلِّ دَخْلٍ مُذَمَّمِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.