أَجَابَ: نَعَمْ يَكُونُ بِذَلِكَ مُرْتَدَّا ، فَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أَحْكَامُ أَهْلِ الرِّدَّةِ: مِنْ وُجُوبِ قَتْلِهِ، فَقَدْ صَرَّحَ عُلَمَاؤُنَا فِي غَالِبٍ كُتُبِهِمْ: بِأَنَّ مَنْ سَبَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عيله وسلم أَوْ وَاحِدًا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ، أَوِ اسْتَخَفَّ بِهِمْ؛ فَإِنَّهُ يُقْتَلُ حَدًا وَلَا تَوْبَةً لَهُ أَصْلًا، سَوَاءٌ كَانَ بَعْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ وَالشَّهَادَةِ، أَوْ جَاءَ تَائِبًا مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الْعَبْدِ، فَلَا يَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ كَسَائِرِ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ، وَوَقَعَ فِي عِبَارَةِ (البَزَّازِية): وَلَوْ عَابَ نَبِيًّا، كَفَرَ ، وَقَدْ ذَكَرَ الْمُفَسِّرُونَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكَ عَلَيْكَ زَوْجَكَ ﴾ [الأحزاب: ) مَا يُكَذِّبُ الزَّاعِمَ الْمَذْكُورَ فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ الْقُرْطُبِيٌّ بَعْدَ كَلَامٍ طَوِيلِ قَدَّمَهُ: وَرُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عيله وسلم كَانَ قَدْ أَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ أَنَّ زَيْدًا يُطَلِّقُ زَيْنَبَ وَأَنْتَ تَتَزَوَّجُهَا بِتَزْوِيجِ اللَّهِ إِيَّاهَا، فَلَمَّا تَشَكَّى زَيْدُ لِلنَّبِي خلاله علي ولكن خُلُقَ زَيْنَبَ، وَأَنَّهَا لَا تُطِيعُهُ، وَأَعْلَمَهُ بِأَنَّهُ يُرِيدُ طَلَاقَهَا؛
قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عيله وسلم على جِهَةِ الْأَدَبِ وَالْوَصِيَّةِ: اتَّقِ اللَّهَ فِي قَوْلِكَ، وَأَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ. وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ يُفَارِقُهَا، وَهَذَا الَّذِي أَخْفَى فِي نَفْسِهِ، وَلَمْ يُرِدْ أَنَّهُ يَأْمُرُهُ بِالطَّلَاقِ؛ لَمَّا عَلِمَ أَنَّهُ سَيَتَزَوَّجُهَا، وَخَشِيَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عيله وسلم أَنْ يَلْحَقَهُ قَوْلٌ مِنَ النَّاسِ فِي أَنْ يَتَزَوَّجَ زَيْنَبَ بَعْدَ زَيْدٍ، وَهُوَ مَوْلَاهُ، وَقَدْ أَمَرَهُ بِطَلَاقِهَا، فَعَاتَبَهُ اللَّهُ تَعالَىٰ عَلَى هَذَا الْعُذْرِ ، مِنْ أَنَّهُ قَدْ خَشِيَ النَّاسَ فِي شَيْءٍ قَدْ أَبَاحَهُ اللَّهُ تَعَالَىٰ لَهُ؛ بِأَنْ قَالَ: (أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ) مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّهُ يُطَلِّقُ، وَأَعْلَمَهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَىٰ أَحَقُّ بِالْخَشْيَةِ فِي كُلِّ حَالٍ. ثُمَّ قَالَ: قَالَ عُلَمَاؤُنَا: وَهَذَا الْقَوْلُ أَحْسَنُ مَا قِيلَ فِي تَأْوِيل هَذِهِ الْآيَةِ، وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ أَهْلُ التَّحْقِيقِ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ وَالْعُلَمَاءِ الرَّاسِخِينَ، كَالزُّهْرِيِّ، وَالْقَاضِي بَكْرِ بْنِ الْعَلَاءِ الْقُشَيْرِيُّ، وَالْقَاضِي أَبِي بَكْرِ بْنِ الْعَرَبِيِّ، وَغَيْرِهِمْ ثُمَّ قَالَ: فَأَمَّا مَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عيله وسلم هَوَى زَيْنَبَ امْرَأَةَ زَيْدٍ، وَرُبَّمَا أَطْلَقَ بَعْضُ الْمُجَّانِ يَعْنِي الْفَسَقَةَ عَشِقَ، وَهَذَا إِنَّمَا يَصْدُرُ عَنْ جَاهِلِ بِعِصْمَةِ النَّبِيِّ صلى الله عيله وسلم عَنْ مِثْلِ هَذَا، أَوْ مُسْتَخِفٌ بِحُرْمَتِهِ صلى الله عيله وسلم. انتهى.
وَفِي (الْكَشَّافِ) مَا يَكْشِفُ النِّقَابَ عَنْ وَجْهِ الْخَطَإ وَالصَّوَابِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. وَفِي (أَسْبَابِ النُّزُولِ) قَوْلُهُ تَعَالَى: ( مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجَ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ) الاحزاب: ] أي: مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ إِثْمٍ فِيمَا أَبَاحَهُ اللَّهُ تَعَالَى، فَلَا اعْتِرَاضَ لِأَحَدٍ عَلَيْهِ فِيهِ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَابْتِلَائِهِ لَهُمْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، كَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ، وَهَذَا مِمَّا لَيْسَ فِيهِ نَقْصُ لِلْمَيْلِ الطَّبِيعِيِّ الَّذِي لَا يَكَادُ يَسْلَمُ الْآدَمِيُّ مِنْهُ، مَعْصُومًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مَعْصُومٍ، فَلَمَّا نَظَرَ النَّبِيُّ صلى الله عيله وسلم إِلَى امْرَأَةِ زَيْدٍ تَمَنَّاهَا بِقَلْبِهِ إِنْ طَلَّقَهَا زَيْدٌ؛ تَزَوَّجَهَا، وَالْمُبَاحُ لَا يُسْتَحْيَى مِنْهُ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَخْبَرَ أَنَّهُ مَا كَانَ عَلَيْهِ فِيهِ مِنْ حَرَجٍ وَلَا جُنَاحَ، لَا سِيَّمَا فِي الْأُمُورِ الْجَائِزَةِ الشَّرْعِيَّةِ،
فَكَانَ جَوَابًا لِلْمُنَافِقِينَ وَقَدْ طَلَّقَهَا زَيْدٌ وَخَطَبَهَا لَهُ صلى الله عيله وسلم وَبَيْنَ فَقَالَ لَهَا: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَبْدَلَكِ خَيْرًا مِنِّي: رَسُولَ اللهِ صلى الله عيله وسلم ، فَفَرِحَتْ وَقَالَتِ الْأَمْرُ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، مَرْحَبًا بِرَسُولِ اللهِ صلى الله عيله وسلم. انتهى بِاخْتِصَارِ. فَخِطْبَتُهُ صلى الله عيله وسلم وَتَزَوُّجُهُ إِيَّاهَا بَعْدَ زَيْدٍ يُكَذِّبُ الْقَائِلَ: كَانَ إذا نَظَرَ إِلَى امْرَأَةٍ وَأَعْجَبَتْهُ؛ حَلَّتْ لَهُ بِمُجَرَّدِ نَظَرِهِ، وَيَدْخُلُ بِهَا، فَجَزَاءُ الْقَائِلِ بِتَكَلَّمِهِ بَيْنَ الْعَوَامَ؛ تَنْقِيصًا لِمَقَامِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامْ بِهَذَا الْكَلَامِ أَنْ يُقْتَلَ بَعْدَ أَنْ يُطَافَ بِهِ فِي الْأَسْوَاقِ.
جوَلَا تُقْبَلُ لَهُ تَوْبَةٌ عِنْدَنَا، كَمَا نَصَّتْ عَلَيْهِ عُلَمَاؤُنَا الْأَعْلَامُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.