أَجَابَ: هَذَا السُّؤَالِ يَتَوَقَّفُ جَوَابُهُ عَلَى أَشْيَاءَ تَتَقَدَّمُهُ؛ وَهُوَ:
أَنَّ التَّوْلِيَةَ عَلَى الْوَقْفِ، هَلْ تَتَخَصَّصُ بِالزَّمَانِ أَمْ لَا؟
وَالثَّانِي: إِذَا صَرَفَ الْمُتَوَلِّي بِإِذْنِ الْقَاضِي لِيَرْجِعَ، هَلْ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ أَمْ لَا؟
الثَّالث: هَلِ الزَّيْتُ مِنْ جُمْلَةِ مَصَالِحِ الْمَسْجِدِ الَّتِي تَجُوزُ الِاسْتِدَانَةُ لَهَا بِإِذْنِ الْقَاضِي أَمْ لَا؟
الرَّابِعُ: هَلْ لِلْمُتَوَلِّي أَنْ يَصْرِفَ رَيْعَ سَنَةٍ فِي سَنَةٍ أُخْرَى أَمْ لَا؟
الْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ: أَنَّهُ يَتَخَصَّصُ بِلا رَيْبٍ كَسَائِرِ الْوِلَايَاتِ مِنَ الْقَضَاءِ وَالْإِمَارَةِ وَغَيْرِهِمَا، وَهَذَا بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ.
وَالْجَوَابُ عَنِ الثَّانِي: أَنَّهُ يَرْجِعُ، قَالَ فِي (البَزَّازِيَّةِ) قَيِّمُ الْوَقْفِ اشْتَرَى شَيْئًا لِمُؤْنَةِ الْمَسْجِدِ بِلا إِذْنِ الْحَاكِمِ بِمَالِهِ لَا يَرْجِعُ فِي الْوَقْفِ، قَالَ فِي (الْبَحْرِ) وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا رُجُوعَ لَهُ مُطْلَقًا، إِلَّا بِإِذْنِ الْقَاضِي سَوَاءٌ كَانَ أَنْفَقَ لِيَرْجِعَ أَوْ لَا، سَوَاءٌ رَفَعَ إِلَى الْقَاضِي أَوْ لَا، سَوَاءٌ بَرْهَنَ عَلَى ذَلِكَ أَوْ لَا. اهـ.
وَفِي (الذَّخِيرَةِ) نَقَلَ فِي الْمَسْأَلَةِ قِيَاسًا وَاسْتِحْسَانًا، وَجَعَلَ الاسْتِحْسَانَ الْجَوَاز بِإِذْنِ الْقَاضِي، وَالْعَمَلُ عَلَى الِاسْتِحْسَانِ إِلَّا فِي مَسَائِلَ لَيْسَتْ هَذِهِ مِنْهَا.
والْجَوَابِ عَنِ الثَّالِثِ: أَنَّ الْأَصَحَ أَنَّهُ مِنْ جُمْلَةٍ مَصَالِحِ الْمَسْجِدِ.
والْجَوَاب عَنِ الرَّابِعِ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ صَرْفُ رَيْعِ سَنَةٍ فِي سَنَةٍ، إِلَّا إِذَا شَرَطَهُ الْوَاقِفُ، أَوْ نَصَّ عَلَيْهِ سُلْطَانُ فِي تَوْلِيَتِهِ، صَرَّحَ بِالْمَسْأَلَة شَيْخُ شُيُوخِنَا الْحَلَبِيُّ فِي (فتاويه).
فَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ عُلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ لِلْمُتَوَلّي الْجَدِيدِ تَنَاوُلُ مَا هُوَ مُتَحَصَّلٌ فِي سَنَةِ الْعَتِيقِ؛ لِمَنْعِ السُّلْطَانِ لَهُ مِنْ تَنَاوُلِهِ، وَيَضْمَنُ لِتَعَدِّيهِ بِالْأَخْذِ لِمَا لَيْسَ لَهُ أَخْذُهُ، وَيَضْمَنُ الدَّافِعُ لَهُ أَيْضًا، وَالْمُتَوَلِّي الْعَتِيقُ بِالْخِيَارِ فِي تَضْمِين أَيُّهِمَا شَاءَ؛ لِوُجُودِ التَّعَدِّي مِنْ كُلِّ مِنْهُمَا، كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.