حكم تولي الوقف لمدة محددة وصرف المتولي السابق من ماله على الوقف

السؤال
سُئِلَ: فِي مُتَوَلِّي وَقْفٍ، وَلَاهُ السُّلْطَانُ تَوْلِيَةً ذَلِكَ الْوَقْفِ مِنَ ابْتِدَاءِ مَارِسَ سَنَةٌ كَذَا إِلَى مَارِسَ السَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهَا، وَأَذِنَ لَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي جَمِيعِ مَا يَتَحَصَّلَ لجِهَةِ الْوَقْفِ فِي تِلْكَ السَّنَةِ، وَيَصْرِفُهُ فِي الْمَصَارِفِ الْوَاقِعَةِ بِهَا، فَاسْتَقَرَّ عِنْدَ رَعَايَا الْوَقْفِ الزَّيْتُ الْمُتَحَصَّلُ فِي تِلْكَ السَّنَةِ الْمَشْرُوطُ مَا يُتَحَصَّلُ مِنْهُ لِتَنْوِيرِ مَسْجِدِ ذَلِكَ الْوَقْفِ، وَكَانَ صَرَفَ مِنْ مَالِهِ بِإِذْنِ الشَّرْعِ الشَّرِيفِ زَيْتًا فِي تَنْوِيرِ ذَلِكَ الْمَسْجِدِ؛ لَيَرْجِعَ بِنَظِيرِهِ عَلَى مَا اسْتَقَرَّ عِنْدَ الرَّعَايَا مِنَ الزَّيْتِ الْمُتَرَتِّبِ لِلْوَقْفِ المُشُرُوطِ لِلتَّنْوِيرِ، وَكَتَبَ دَفْتَرَ مُحَاسَبَةِ الْوَقْفِ لَدَى قَاضِي الوِلايَةِ، وَجَعَلَ جَمِيعَ الزَّيْتِ الْمَذْكُورِ إِيرَادًا وَمَصْرِفًا فِي الدَّفْتَرِ الْمَذْكُورِ، وَعَيَّنَ مِقْدَارًا لَهُ مِنَ الزَّيْتِ نَظِيرَ الزَّيْتِ الَّذِي صَرَفَهُ فِي تَنْوِيرِ الْمَسْجِدِ، وَبَقِيَ الزَّيْتُ لِلْمُتَوَلِّي عِنْدَ الرَّعَايَا بِمُوجَبِ دَفْتَرِ الْمُحَاسَبَةِ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ عُزِلَ الْمُتَوَلِّي الْمَذْكُورُ قَبْلَ قَبْضِ الزَّيْتِ مِنَ الرَّعَايَا، فَقَبَضَ الْمُتَوَلّي الْجَدِيدُ الْمَنْصُوبُ الزَّيْتَ الْمَذْكُورَ مِنَ الرَّعَايَا وَصَرَفَهُ فِي مَصَارِفِ الْوَقْفِ الَّتِي فِي مُدَّتِهِ، فَعَرَضَ الْمَعْزُولُ أَمْرَهُ عَلَى السُّلْطَانِ، فَبَرَزَ أَمْرُهُ بِتَخْلِيصِ الزَّيْتِ الْمَذْكُورِ وَدَفْعِهِ لِلْمُتَوَلّي الْمَعْزُولِ نَظِيرَ مَا صَرَفَهُ فِي التَّنْوِيرِ، إِنْ كَانَ عِنْدَ الرَّعَايَا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ، وَإِنْ كَانَ قَبَضَهُ الْمُتَوَلِّي الْجَدِيدُ وَصَرَفَهُ فِي زَمَنِهِ فَمِنَ الْوَقْفِ، وَتَبَيَّنَ الْآنَ أَنَّ الْمُتَوَلِّيَ الْجَدِيدَ قَبَضَهُ وَصَرَفَهُ فِي مَصَارِفِ الْوَقْفَ فِي مُدَّتِهِ، فَهَلْ حَيْثُ نَصَّ السُّلْطَانُ أَنَّ كُلَّ مُتَوَلّ يَقْبِضُ مَالَ سَنَةٍ وَيَصْرِفُهُ فِي مَصَارِفِ سَنَتِهِ، وَقَدْ صَرَفَ الْمُتَوَلِي الْمَعْزُولُ بِإِذْنِ السُّلْطَانِ وَقَاضِي الشَّرْعِ الزَّيْتَ مِنْ مَالِهِ فِي التنوير ليرجع بنظيرِهِ، وَجَعَلَ الْقَاضِي عِنْدَ الْمُحَاسَبَةِ الزَّيْتَ الَّذِي عِنْدَ الرَّعَايَا لَهُ نَظِيرَ مَا صَرَفَهُ مِنْ الزَّيْتِ، وَكَتَبَ فِي دَفْتَرِ الْمُحَاسَبَةِ لَيْسَ لِلْمُتَوَلِّي الْجَدِيدِ قَبْضُهُ وَصَرْفُهُ فِي مَصَارِفِ سَنَتِهِ؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِقَبْضِ مَا يُتَحَصَّلُ فِي سَنَتِهِ، وَمَمْنُوعٌ عَنْ قَبْضِ مَا يَتَحَصَّلُ فِي سَنَةِ غَيْرِهِ بَأْمِيرِ السُّلْطَانِ، وَهَلْ إِذَا قَبَضَهُ الْمُتَوَلّيِ الْجَدِيدُ الْمَذْكُورُ وَصَرَفَهُ فِي الْمَصَارِفِ الْوَاقِعَةِ فِي مُدَّتِهِ وَجَعَلَهُ إِيرَادًا وَمَصْرِفًا فِي دَفْتَرِهِ يَكُونُ لِلْمُتَوَلِّي الْعَتِيقُ الرُّجُوعُ بِنَظِيرِهِ عَلَى مَالِ الْوَقْفِ لِكَوْنِهِ صَرَفَهُ فِي مَصَارِفِ الْوَقْفِ أَمْ لَا؟
الإجابة

أَجَابَ: هَذَا السُّؤَالِ يَتَوَقَّفُ جَوَابُهُ عَلَى أَشْيَاءَ تَتَقَدَّمُهُ؛ وَهُوَ:
أَنَّ التَّوْلِيَةَ عَلَى الْوَقْفِ، هَلْ تَتَخَصَّصُ بِالزَّمَانِ أَمْ لَا؟
وَالثَّانِي: إِذَا صَرَفَ الْمُتَوَلِّي بِإِذْنِ الْقَاضِي لِيَرْجِعَ، هَلْ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ أَمْ لَا؟
الثَّالث: هَلِ الزَّيْتُ مِنْ جُمْلَةِ مَصَالِحِ الْمَسْجِدِ الَّتِي تَجُوزُ الِاسْتِدَانَةُ لَهَا بِإِذْنِ الْقَاضِي أَمْ لَا؟
الرَّابِعُ: هَلْ لِلْمُتَوَلِّي أَنْ يَصْرِفَ رَيْعَ سَنَةٍ فِي سَنَةٍ أُخْرَى أَمْ لَا؟
الْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ: أَنَّهُ يَتَخَصَّصُ بِلا رَيْبٍ كَسَائِرِ الْوِلَايَاتِ مِنَ الْقَضَاءِ وَالْإِمَارَةِ وَغَيْرِهِمَا، وَهَذَا بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ.
وَالْجَوَابُ عَنِ الثَّانِي: أَنَّهُ يَرْجِعُ، قَالَ فِي (البَزَّازِيَّةِ) قَيِّمُ الْوَقْفِ اشْتَرَى شَيْئًا لِمُؤْنَةِ الْمَسْجِدِ بِلا إِذْنِ الْحَاكِمِ بِمَالِهِ لَا يَرْجِعُ فِي الْوَقْفِ، قَالَ فِي (الْبَحْرِ) وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا رُجُوعَ لَهُ مُطْلَقًا، إِلَّا بِإِذْنِ الْقَاضِي سَوَاءٌ كَانَ أَنْفَقَ لِيَرْجِعَ أَوْ لَا، سَوَاءٌ رَفَعَ إِلَى الْقَاضِي أَوْ لَا، سَوَاءٌ بَرْهَنَ عَلَى ذَلِكَ أَوْ لَا. اهـ.
وَفِي (الذَّخِيرَةِ) نَقَلَ فِي الْمَسْأَلَةِ قِيَاسًا وَاسْتِحْسَانًا، وَجَعَلَ الاسْتِحْسَانَ الْجَوَاز بِإِذْنِ الْقَاضِي، وَالْعَمَلُ عَلَى الِاسْتِحْسَانِ إِلَّا فِي مَسَائِلَ لَيْسَتْ هَذِهِ مِنْهَا.
والْجَوَابِ عَنِ الثَّالِثِ: أَنَّ الْأَصَحَ أَنَّهُ مِنْ جُمْلَةٍ مَصَالِحِ الْمَسْجِدِ.
والْجَوَاب عَنِ الرَّابِعِ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ صَرْفُ رَيْعِ سَنَةٍ فِي سَنَةٍ، إِلَّا إِذَا شَرَطَهُ الْوَاقِفُ، أَوْ نَصَّ عَلَيْهِ سُلْطَانُ فِي تَوْلِيَتِهِ، صَرَّحَ بِالْمَسْأَلَة شَيْخُ شُيُوخِنَا الْحَلَبِيُّ فِي (فتاويه).
فَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ عُلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ لِلْمُتَوَلّي الْجَدِيدِ تَنَاوُلُ مَا هُوَ مُتَحَصَّلٌ فِي سَنَةِ الْعَتِيقِ؛ لِمَنْعِ السُّلْطَانِ لَهُ مِنْ تَنَاوُلِهِ، وَيَضْمَنُ لِتَعَدِّيهِ بِالْأَخْذِ لِمَا لَيْسَ لَهُ أَخْذُهُ، وَيَضْمَنُ الدَّافِعُ لَهُ أَيْضًا، وَالْمُتَوَلِّي الْعَتِيقُ بِالْخِيَارِ فِي تَضْمِين أَيُّهِمَا شَاءَ؛ لِوُجُودِ التَّعَدِّي مِنْ كُلِّ مِنْهُمَا، كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

imam icon

أرسل سؤالك إلى المساعد الذكي

إذا لم تكن الإجابات السابقة مناسبة، يرجى إرسال سؤالك إلى المفتي عبر