أَجَابَ: تَقْرِيرُ الْقَاضِي لِلْمَنْزُولِ لَهُ عَنِ الْوَظِيفَةِ صَحِيحٌ بِلَا شُبْهَةٍ، فَإِنَّهُمْ صَرَّحُوا بِأَنَّ مَنْ فَرَغَ عَنْ وَظِيفَةٍ لِشَخْصٍ، فَقَدْ عَزَلَ نَفْسَهُ عَنْهَا، وَأَفْتَى الْعَلَامَةُ قَاسِمٌ أَنَّ مَنْ فَرَغَ لإِنْسَانِ عَنْ وَظِيفَةٍ؛ سَقَطَ حَقًّهُ مِنْهَا، سَوَاءٌ قَرَّرَ النَّاظِرُ الْمَنْزُولَ لَهُ أَمْ لَا.
قَالَ فِي (الْبَحْرِ): فَالْقَاضِي بِالْأَوْلَى، وَلَا يَلْزَمُهُ الْوَفَاءُ بِمَا نَذَرَ؛ إِذِ النَّذْرُ لَا يَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِهِ إِلَّا بِشُرُوطٍ، وَهِيَ مُتَخَلْفَةٌ فِي هَذَا، وَلَوْ فَرَضْنَا اجْتِمَاعَ شَرَائِطِهِ، فَالْقَاضِي لَا يَقْضِي بِهِ عَلَى النَّاذِرِ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ قَاطِبَةً؛ إِذْ وُجُوبُ الْوَفَاءِ بِهِ فِي حَالِ اجْتِمَاعِ شَرَائِطِهِ فِيمَا بَيْنَ النَّاذِرِ وَبَيْنَ اللهِ تَعَالَى،أَمَّا الْحُكْمُ فَمُخْتَلَفٌ فِيهِ شَرْطُهُ، وَهُوَ وُجُودُ الْحَادِثَةِ بَيْنَ مُدَّعٍ وَمُدَّعَى عَلَيْهِ، كَمَا قَرَّرَ فِي مَحَلِّهِ.
وَأَمَّا صِحَةُ الْفَرَاغِ مِنْ أَصْلِهِ بِمَعْنَى جَوَانِ الاعتياض عَنْ هَذَا الْحَقِّ؛ فَقَدْ تَكَلَّمَ فِيهَا بَعْضُ أَهْلِ التَّحْرِيرِ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَحَاصِلُ مَا وَقَفُوا عَلَيْهِ أَنَّهُ لَا يَصِحُ، وَلَا يَسْتَحِقُ بِهِ الْعِوَضَ، وَأَنَّ حَاصِلَهُ أَنَّهُ عَزَلَ نَفْسَهُ عَنْهَا وَفَوَّضَهَا لِغَيْرِهِ بِعِوَضٍ، فَصَحَ الْعَزْلُ وَبَطَلَ مَا سُوَاهُ، وَأَمَّا تَقْرِيرُ الْقَاضِي لِلْمَنْزُولِ لَهُ فَمِمَّا لَا مُنَازَعَةَ فِي صِحَّتِهِ، هَذَا هُوَ الْمُتَحَرَّرُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.