أَجَابَ: : اعْلَمْ أَنَّهُ يَجِبُ النَّظَرُ أَوَّلًا إِلَى دَعْوَى الْوَلِيِّ، فَإِنِ ادَّعَى عَلَى أَهْلِ قَرْيَةٍ مِنْهُمَا وَثَبَتَ كَوْنُ الْبِيْرِ بِأَرْضِهَا لَا بِأَرْضِ أُخْرَى؛ كَانَتِ الْقَسَامَةُ وَالدِّيَةُ عَلَيْهِمْ سَوَاءٌ كَانَتِ الْبِشْرُ أَقْرَبَ لِلْأُخْرَى أَمْ لَا ، حَيْثُ كَانَتِ الْأَرْضُ الَّتِي بِهَا الْبِثْرُ مِلْكًا، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مِلْكًا فَعَلَى أَقْرَبِهِمَا لِلْبِشْرِ خَاصَّةً؛ لِأَنَّ الْمَوْجُودَ فِي الْبِشْرِ كَالْمَوْجُودِ عَلَى ظَاهِرِهَا، وَالْحُكْمُ فِي الْمَوْجُودِ كَذَلِكَ يُعْتَبَرُ الْمِلْكُ أَوَّلا، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ؛ فَعَلَى أَقْرَبِ الْقَرْيَتَيْنِ، مَا لَمْ يَدَّعِ الْوَلِيُّ عَلَى الْأَبْعَدِ. فَإِذَا أَنْكَرَ كُلٌّ مِنْ أَهْلِ الْقَرْيَتَيْنِ مَالِكِيَّةَ الْأَرْضِ الَّتِي بِهَا الْبِتْرُ؛ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ، وَنَرْجِعُ إِلَى اعْتِبَارِ الْأَقْرَبِ.
وَلَا اعْتِبَارَ إِلَى مُجَرَّدِ وُجُودِ الدَّمِ السَّائِلِ مِنْ غَيْرِ وُجُودِ الْقَتِيلِ، لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ دَمُ غَيْرِهِ، وَبِوُجُودِ دَمَ سَائِلِ مِنْ غَيْرِ قَتِيلِ لَا تَجِبُ قَسَامَةٌ وَلَا دِيَةٌ، كَمَا هُوَ ظَاهِرُ مَا لَمْ تَقُمْ بَيِّنَةٌ مِمَّنِ ادَّعَى عَلَيْهِمُ الْوَلِيُّ ، وَهُمْ أَصْحَابُ الْقُرْبِ مِنَ الْبِشْرِ؛ بِأَنَّهُ نُقِلَ مِنْ تَحْتِ الشَّجَرَةِ وَأُلْقِيَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ، فَإِنْ ثَبَتَ ذَلِكَ بِالْبَيِّنَةِ الشَّرْعِيَّةِ؛ انْدَفَعَتِ الْقَسَامَةُ وَالدِّيَةُ عَنْهُمْ، وَلَزِمَ الْقَرْيَةَ الْأُخْرَى؛ لِأَنَّ الثَّابِتَ بِالْبَيِّنَةِ كَالثَّابِتِ عِيَانًا، فَكَأَنَّهُ قد شُوهِدَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ، وَلَا تَنْسَ اعْتِبَارَ الْمُلْكِ أَوَّلا، ثُمَّ بَعْدَهُ الْقُرْبُ.
وَإِنِ ادَّعَى عَلَى الْأَبْعَدِ وَلَمْ يَكُ مَالِكًا لا قَسَامَةَ وَلَا دِيَةَ، وَاعْتَبَرْنَا فِي ذَلِكَ الْبَيِّنَةَ والْإِقْرَارَ وَالْيَمِينَ وَالنَّكُولَ كَسَائِرِ الدَّعَاوَى إِنْ بَرْهَنَ الْوَلِيُّ عَلَى دَعْوَاهُ ثَبَتَ مُدَّعَاهُ، وَإِلَّا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُدَّعِي عَلَيْهِمْ بِالْيَمِينِ.
الْحَاصِلُ : إِنْ تَبَتَ كَوْنُ الْبِشْرِ مِلْكًا لِأَحَدٍ ؛ فَالْقَسَامَةُ وَالدِّيَةُ عَلَيْهِ، وَإِلَّا فَعَلَى الْأَقْرَبِ مِنْهُمَا مَا لَمْ يَثْبُتْ تَحْوِيلُهُ وَنَقْلُهُ مِنَ الْأَبْعَدِ إِلَى الْأَقْرَبِ، فَلَا اعْتِبَارَ بِالْقُرْبِ وَالْبُعْدِ مَعَ ثُبُوتِ الْمِلْكِ، وَلَا بِالْمِلْكِ مَعَ دَعْوَى الْوَلِيِّ عَلَى غَيْرِهِ، وَكَذَلِكَ لَا اعْتِبَارَ بالْأَقْرَبِيَّة مَعَ دَعْوَى الْوَلِيِّ عَلَى غَيْرِ أَهْلِهَا.
وَقَدْ سَأَلَ السَّائِلُ عَنِ التَّحَالُفِ، وَلَا تَحَالُف عِنْدَنَا فِي هَذَا الْبَابِ رَأْسًا وَاحِدًا، وَسَأَلَ أَيْضًا عَنْ جُزْمِ الْحَاكِمِ السَّيَاسِي ، وَجُرْمُهُ لِكُلِّ مِنْ أَهْلِ الْأَقْرَبِ وَالْأَبَعْدِ ظُلْمٌ لَا أَصْلَ لَهُ شَرْعًا، وَقَدْ عَلِمْتَ الْأَحْكَامُ بِهَذِهِ الْجُمَلِ الْوَاضِحَةِ مِنَ الْكَلَامِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.