أَجَابَ: اعْلَمْ أَنَّ إِجَارَةَ الْوَقْفِ بِقَدْرِ مَا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ لَا تَجُوزُ، وَحُكْمُ ذَلِكَ حُكْمُ الْإِجَارَةِ الْفَاسِدَةِ، وَتَجِبُ أَجْرَةُ المِثْلِ بَالِغَةٌ مَا بَلَغَتْ؛ نَظَرًا لِلْوَقْفِ بِالتَّسْلِيمِ وَعَلَيْهِ الفَتْوَى، وقد قَالَ عُلَمَاؤُنَا رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى: يُفْتَى بِالضَّمَانِ فِي غَصْبٍ عَقَارِ الْوَقْفِ وَغَصْبٍ مَنَافِعِهِ، وَكَذَا بِكُلِّ مَا هُوَ أَنْفَعُ لِلْوَقْفِ، فِيمَا اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ، وَصَرَّحُوا بِأَنَّ شَرْطَ نَفَاذِ الْحُكْمِ تَقَدُّمُ الدَّعْوَى الصَّحِيحَةِ مِنَ الْخَصْمِ الشَّرْعِيِّ عَلَى الْخَصْمِ الشَّرْعِيِّ، فَإِنْ فُقِدَ هَذَا الشَّرْطُ، لَمْ يَكُنْ حُكْمًا.
قالَ فِي (الْبَحْرِ) بَعْدَ كَلَامِ طَوِيلِ: وَبِهِ عُلِمَ أَنَّ الْإِتصَالَاتِ وَالتَّنَافِيذَ الْوَاقِعَةَ فِي زَمَانِنَا الْمُجَرَّدَةَ عَنِ الدَّعَاوَى - يَعْنِي: الصَّحِيحَةَ - لَيْسَتْ حُكْمًا، وَصَرَّحُوا أَيْضًا بِأَنَّهُ كَمَا يَصِحُ الدَّفْعُ يَصِحُ دَفْعُ الدَّفْعِ، وَكَذَا يَصِحُ دَفْعُ دَفْعِ الدَّفْعِ، وَمَا زَادَ عَلَيْهِ يَصِحُ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ، وَكَمَا يَصِحُ قَبْلَ إِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ يَصِحُ بَعْدَهَا، وَكَمَا يَصِحُ الدَّفْعُ قَبْلَ الْحُكْمِ؛ يَصِحُ بَعْدَ الْحُكْمِ وَصَرَّحَ فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ بِأَنَّ الْمُخْتَارَ أَنَّ الدَّفْعَ إِذَا بُرْهِنَ عَلَيْهِ بَعْدَ الْحُكْمِ؛ يُقْبَلُ وَيَبْطُلُ الْحُكْمُ، وَكُتُبْنَا مَشْحُونَةٌ بِذَلِكَ.
فَإِذَا عَلِمْتَ ذَلِكَ وَتَقَرَّرَ لَدَيْكَ، لَمْ يَقَعُ عِنْدَكَ شَكٍّ وَلَا ارْتِيَابٌ فِي قَبُولِ بَيِّنَةِ الْمُتَوَلِّي الْجَدِيدِ بِالْغبْنِ الْفَاحِشِ، وَوُجُوبِ الْعَمَلِ بِهَا وَإِبْطَالِ مَا تَقَدَّمَ لِظُهُورِ فَسَادِهِ بِسَبَبِ وُقُوعِهِ بِالْغَيْنِ الْفَاحِشِ الَّذِي تَأْبَاهُ أَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ وَشُرُوطُ الْوَاقِفِينَ، وَلِمَا فِيهِ مِنَ الضَّرَرِ الْكُلِّي بِالْوَقْفِ وَهُجُومِ أَهْلِ الْجَرَاءَةِ عَلَيْهِ بِالظُّلْمِ وَالْعُدْوَانِ، وَذَلِكَ مِمَّا يُغْضِبُ الرَّحْمَنَ، وَيُرْضِي الشَّيْطَانَ، وَمَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ، وَبِهِ التَّوْفِيقُ، وَعَلَيْهِ التُكْلَانُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.