حكم إحكار ناظر الوقف لابنه أرض الوقف بأقل من أجرة المثل

السؤال
سُئِلَ: فِي نَاظِرِ وَقْفٍ، أَحْكَرَ ابْنَهُ الْكَبِيرَ أَرْضَ بُسْتَانِ لِلْوَقْفِ، وَبِهَا شَجَرَةُ جَوْزِ مِنْ غِرَاسٍ قَدِيمِ لِلْوَقْفِ، وَلَهَا شِرْبٌ مَعْلُومٌ تِسْعَ سِنِينَ بِأَنْقَصَ مِنْ أُجْرَةِ الْمِثْلِ نَقْصَا فَاحِشَا إِذْ أُجْرَةُ مِثْلِهَا أَضْعَافُ مَا عُقِدَ عَلَيْهِ الِاحْتِكَارُ لَدَى قَاضِ حَنَفِيَّ، ثُمَّ عُزِلَ النَّاظِرُ بَعْدَ أَنْ غَرَسَ الْمُحْتَكِرُ غِرَاسًا، وَرَفَعَ الْغَارِسُ الْأَمْرَ إِلَى قَاضِ شَافِعِي الْمَذْهَبِ، فَأَمْضَاهُ فِي وَجْهِ أَبِيهِ الْمَعْزُولِ بَعْدَ عَزْلِهِ، فَتَرَافَعَ النَّاظِرُ الْجَدِيدُ مَعَ الْغَارِسِ لَدَى قَاضٍ حَنْبَلِيَّ، فَأَمْضَاهُ أَيْضًا لِعَدَمِ إِقَامَةِ الْبَيِّنَة عَلَى الْغَبْنِ الْفَاحِشِ، الَّذِي ادَّعَاهُ الْمُتَوَلِّي الْجَدِيدُ هَلْ إِذَا أَقَامَ بَيِّنَةٌ شَرْعِيَّةٌ لَدَى قَاضِ شَرْعِيٌّ أَنَّ الاحْتِكَارَ وَقَعَ بِالْغَبْنِ الْفَاحِشِ الْمُوجِبِ لِفَسَادِ الْإِجَارَةِ شَرْعًا، تُقْبَلُ بَيْنَتُهُ وَيُعْمَلُ بموجبها ؟ وَيَلْزَمُ الْمُحْتَكِرَ أُجْرَةُ الْمِثْلِ فِي السِّنِينَ الْمَاضِيَةِ، وَلَا يُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ التنفيذ الصَّادِرِ مِنَ الشَّافِعِي وَالْحَنْبَلِيَّ؛ لِكَوْنِ تَنْفِيدِ الْأَوَّلِ فِي غَيْرِ وَجْهِ الْخَصْمِ الشَّرْعِيِّ وَالثَّانِي كَانَ لِلْعَجْزِ عَنْ إِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَى الْغَبْنِ الْفَاحِشِ أَمْ لَا؟
الإجابة

أَجَابَ: اعْلَمْ أَنَّ إِجَارَةَ الْوَقْفِ بِقَدْرِ مَا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ لَا تَجُوزُ، وَحُكْمُ ذَلِكَ حُكْمُ الْإِجَارَةِ الْفَاسِدَةِ، وَتَجِبُ أَجْرَةُ المِثْلِ بَالِغَةٌ مَا بَلَغَتْ؛ نَظَرًا لِلْوَقْفِ بِالتَّسْلِيمِ وَعَلَيْهِ الفَتْوَى، وقد قَالَ عُلَمَاؤُنَا رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى: يُفْتَى بِالضَّمَانِ فِي غَصْبٍ عَقَارِ الْوَقْفِ وَغَصْبٍ مَنَافِعِهِ، وَكَذَا بِكُلِّ مَا هُوَ أَنْفَعُ لِلْوَقْفِ، فِيمَا اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ، وَصَرَّحُوا بِأَنَّ شَرْطَ نَفَاذِ الْحُكْمِ تَقَدُّمُ الدَّعْوَى الصَّحِيحَةِ مِنَ الْخَصْمِ الشَّرْعِيِّ عَلَى الْخَصْمِ الشَّرْعِيِّ، فَإِنْ فُقِدَ هَذَا الشَّرْطُ، لَمْ يَكُنْ حُكْمًا.
قالَ فِي (الْبَحْرِ) بَعْدَ كَلَامِ طَوِيلِ: وَبِهِ عُلِمَ أَنَّ الْإِتصَالَاتِ وَالتَّنَافِيذَ الْوَاقِعَةَ فِي زَمَانِنَا الْمُجَرَّدَةَ عَنِ الدَّعَاوَى - يَعْنِي: الصَّحِيحَةَ - لَيْسَتْ حُكْمًا، وَصَرَّحُوا أَيْضًا بِأَنَّهُ كَمَا يَصِحُ الدَّفْعُ يَصِحُ دَفْعُ الدَّفْعِ، وَكَذَا يَصِحُ دَفْعُ دَفْعِ الدَّفْعِ، وَمَا زَادَ عَلَيْهِ يَصِحُ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ، وَكَمَا يَصِحُ قَبْلَ إِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ يَصِحُ بَعْدَهَا، وَكَمَا يَصِحُ الدَّفْعُ قَبْلَ الْحُكْمِ؛ يَصِحُ بَعْدَ الْحُكْمِ وَصَرَّحَ فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ بِأَنَّ الْمُخْتَارَ أَنَّ الدَّفْعَ إِذَا بُرْهِنَ عَلَيْهِ بَعْدَ الْحُكْمِ؛ يُقْبَلُ وَيَبْطُلُ الْحُكْمُ، وَكُتُبْنَا مَشْحُونَةٌ بِذَلِكَ.
فَإِذَا عَلِمْتَ ذَلِكَ وَتَقَرَّرَ لَدَيْكَ، لَمْ يَقَعُ عِنْدَكَ شَكٍّ وَلَا ارْتِيَابٌ فِي قَبُولِ بَيِّنَةِ الْمُتَوَلِّي الْجَدِيدِ بِالْغبْنِ الْفَاحِشِ، وَوُجُوبِ الْعَمَلِ بِهَا وَإِبْطَالِ مَا تَقَدَّمَ لِظُهُورِ فَسَادِهِ بِسَبَبِ وُقُوعِهِ بِالْغَيْنِ الْفَاحِشِ الَّذِي تَأْبَاهُ أَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ وَشُرُوطُ الْوَاقِفِينَ، وَلِمَا فِيهِ مِنَ الضَّرَرِ الْكُلِّي بِالْوَقْفِ وَهُجُومِ أَهْلِ الْجَرَاءَةِ عَلَيْهِ بِالظُّلْمِ وَالْعُدْوَانِ، وَذَلِكَ مِمَّا يُغْضِبُ الرَّحْمَنَ، وَيُرْضِي الشَّيْطَانَ، وَمَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ، وَبِهِ التَّوْفِيقُ، وَعَلَيْهِ التُكْلَانُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

imam icon

أرسل سؤالك إلى المساعد الذكي

إذا لم تكن الإجابات السابقة مناسبة، يرجى إرسال سؤالك إلى المفتي عبر