أَجَابَ: لَا يَجُوزُ إِجْبَارُهُمْ عَلَى الرَّحِيل مِنْ بَلَدٍ اتَّخَذُوهُ وَطَنًا وَأَلِفُوهَ، وَيَشُقُّ عَلَيْهِمُ الْخُرُوجُ إِلَى وَطَنٍ هَجَرُوهُ وَأَنفُوهُ، لِأَنَّ الْمُؤْمِنَ أَمِيرُ نَفْسِهِ يَسْكُنُ أَيَّ الْبِلَادِ أَحَبَّ وَأَرَادَ، وَيَعِيشُ بِأَيِّ بَلْدَةٍ رَأَى الرَّاحَةَ لِنَفْسِهِ فِيهَا مِنَ الْبِلَادِ.
ج وَلَا يسوغ فِي مِلَّةٍ مِنَ الْمِلَّلِ وَلَا يَحِلُّ فِي نِحْلَةٍ مِنَ النِّحَلِ إِزْعَاجُهُمْ وَإِخْرَاجُهُمْ، وَإِنْ تَعَطَّلَ بِسَبَبٍ ذَلِكَ عُشْرُهُمْ وَخَرَاجُهُمْ، وَلَا يَقُولُ بِذَلِكَ جَاهِلٌ، خلْفَةٌ مِنْ عَالِمٍ، وَلَا يَحْكُمُ بِذَلِكَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ حَاكِمٌ، كَيْفَ وَخُرُوجُهُمْ هُرُوبًا مِنَ الْجَوْرِ وَالْفِتَنِ وَالظُّلْمِ وَالْمِحَنِ، مَعَ الدَّاعِي لِلْإِقَامَةِ مِنْ حُبِّ الْوَطَنِ، وَالْبَاعِثِ لِمُلَازَمَةِ الْمُعْتَادِ مِنَ السَّكَنِ، وَمَا يَخْرُجُ الْإِنْسَانُ مِنْ بَلْدَتِهِ الَّتِي هِيَ أَصْلُ وَطَيْهِ إِلَّا لِأَمْرٍ عَظِيمٍ اخْتَارَ الْغُرْبَةَ الَّتِي هِيَ ذُلُّ بِسَبَبِهِ كَيْ يَنْجُوَ مِنَ الْعَذَابِ الْأَلِيمِ؛ إِذْ مَحَبَّةُ الْوَطَنِ مُسْتَوْلِيَةٌ عَلَى الطَّبَاعِ، مُسْتَدْعِيَةٌ لِفَرْطِ الالْتِيَاعِ، وَمِمَّا قِيلَ فِي ذَلِكَ:
النَّفْسُ دَائِمًا إِلَى بَلَدِهَا تَوَّاقَةٌ .... وَإِلَى مَسْقَط رَأْسِهَا مُشْتَاقَةٌ
فَلَوْ وَجَدُوا بِهَا خَيْرًا؛ لَعَادُوا إِلَيْهِ بِحُسْنِ اخْتِيَارِهِمْ، وَلَوْ شَمُّوا بِهَا رَائِحَةَ عدل؛ لبَادَرُوا إِلَى الرُّجُوعِ، وَهَرَعُوا مِنْ غَيْرِ إِجْبَارِهِمْ، هَذَا وَقَدْ رُفِعَ لِمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ بْنِ جَرِيرِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ دَاوُدَ بْنِ قَاسِمِ بْنِ عَلِيَّ بْنِ عُمَرَ بْنِ مُوسَى بْنِ يَحْيَى بْنِ عَلِيَّ الْأَصْغَرِ بْنِ مُحَمَّدِ الْبَاقِرِ بْنِ عَلِيٍّ زَيْنِ الْعَابِدِينَ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبِ الْحُسَيْنِي الْحِصْنِي الشَّافِعِيُّ الْأَشْعَرِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالَىٰ فِي نَظِيرِ ذَلِكَ سُؤَالٌ، فَأَجَابَ: بِمَا تَقُومُ بِهِ الْقِيَامَةُ عَلَى فَاعِلِي ذَلِكَ، ابْتَدَأَهُ بِالْحَمْدِ لِلَّهِ مُسْتَحِقُّ الْحَمْدِ، إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ مِمَّا حَلَّ بِالْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ مِنْ هَذِهِ الظُّلَمَةِ الطُّغَاةِ الَّذِينَ تَجَرَّءُوا بِجَهْلِهِمْ بِرَبِّهِمْ عَزَّوَ جَلَّ عَلَى إِهْدَارِ الدِّينِ، فَلَا يَلْوُونَ عَلَى قَوْلِ سَيِّدِ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ، وعَلَى قَوْلِ رَبِّ الْعَالَمِينَ فِيمَا دَعَتْهُمْ إِلَيْهِ أَنْفُسُهُمُ الْأَمَّارَةُ بِالسُّوءِ وَالْفَسَادِ، وَلَمْ يُبَالُوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ رَبِّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ (الفجر:) وَلَا يَحِلُّ إِجْبَارُهُمْ عَلَى الْعَوْدِ، وَهُوَ منَ الظُّلْمِ الظَّاهِرِ الْفَاشيِ الْمُتَظَاهِرِ، سَوَاءٌ كَانَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ فَلَاحًا أَوْ غَيْرَ فَلَّاحٍ، بَلْ لَا يُجْبَرُ شَخْصٌ عَلَى عَمَلٍ بِغَيْرِ رِضَاهُ، يَهُودِيًا كَانَ أَوْ نَصْرَانِيًّا فَضْلًا عَنْ شَخْصٍ يُوَحْدُ اللهَ، وَسَوَاءٌ تَقَـادَمَ عَهْدُهُ بِالرِّحْلَةِ أَمْ لَا، وَهَذَا مِنْ أَقْبَحِ خِصَالِ أَهْلِ الظُّلْمِ، وَأَبْشَعِ أَفْعَالِ أَهْلِ الْجَوْرِ؛ لِأَنَّهُ نَوْعٌ مِنَ الْأَسْرِ الَّذِي فِيهِ غَايَةُ الْقَهْرِ، وَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِهِ، وَجَعَلَهُ بَيْنَ عِبَادِهِ مُحَرَّمًا ، وَقَالَ صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ دَمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ ) وَالظُّلْمُ مُحَرَّمٌ فِي سَائِرِ الْأَدْيَانِ، وَقَدْ تَظَاهَرَتِ الْكُتُبُ الْمُنَزَّلَةُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ عَلَى الْمَنْعِ مِنْهُ، وَالْحَقِّ عَلَى دَفْعِهِ، وَقَدِ اتَّفَقَ فُقَهَاءُ الْإِسْلَام عَلَى هَذِهِ الْكَلِمَةِ الظُّلْمُ يَجِبُ إِعْدَامُهُ لَا تَقْرِيرُهُ, وَلِقَاضِي الْقُضَاةِ بِدِمَشْقَ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَحْمَدَ الْوَفَائِيِّ نَظِيرُهُ.
وَمِنْ جَوَابِهِ كَيْفَ يُشَكُّ أَوْ يُسْتَرَابُ فِي تَحْرِيمِ هَذِهِ الْمَظْلَمَةِ وَصِحَّةِ الْجَوَابِ، وَحُرْمَتْهَا مَعْلُومَةٌ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ، وَإِنَّمَا يُسْتَفْتَى عَنْ مِثْلِ هَذَا الشَّيْءِ عَلَى الظَّالِمِ لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى، وَفِي هَذَا الْقَدْرِ كِفَايَةٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.