أَجَابَ: الْقَسَامَةُ : الْأَيْمَانُ الَّتِي يُقْسِمُ بِهَا مَالِكُ الدَّارِ مَثَلًا، وَسَبَبُهَا: وُجُودُ الْقَتِيلِ، وَرُكْنُهَا: إِجْرَاءُ الْيَمِينِ عَلَى لِسَانِهِ، وَشَرْطَهَا: بُلُوغُهُ، وَعَقْلُهُ، وَحُرِّيَّتُهُ وَوُجُودُ أَثَرِ الْقَتْلِ، وَتَكْمِيلُ الْيَمِينِ خَمْسِينَ، وَحُكْمُهَا الْقَضَاءُ بِوُجُوبِ الدِّيَةِ إِنْ حَلَفَ، وَالْحَبْسِ إِنْ أَبَى إِلَى أَنْ يَحْلِفَ فِي الْعَمْدِ، وَبِالدِّيَةِ عِنْدَ النُّكُولِ فِي الْخَطَا.
وَالدِّيَةُ الْمَالُ الَّذِي هُوَ بَدَلُ النَّفْسِ، فَتَجِبُ عَلَى عَاقِلَتِهِ إِنِ ادَّعَى الْوَلِيُّ الْقَتْلَ خَطَاً، وَعَلَيْهِ إِنِ ادَّعَاهُ عَمْدًا، كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي (شَرْحِ الْمَجْمَعِ لِابْنِ ملك).
وَالْعَاقِلَةُ أَهْلُ الدِّيوَانِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْهُمْ، فَهِيَ قَبِيلَتُهُ.
ج - تُقَسَّمُ عَلَيْهِمْ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ، لَا يُؤْخَذُ فِي كُلِّ سَنَةٍ إِلَّا دِرْهَمْ أَوْ دِرْهَمْ وَثُلُثُ دِرْهَمٍ، وَلَمْ تَزِدْ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ كُلِّ الدِّيَةِ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ عَلَى أَرْبَعَةٍ، عَلَى الْأَصَحُ.
فَإِنْ لَمْ تَتَّسِعِ الْقَبِيلَةُ لِذَلِكَ؛ ضُمَّ إِلَيْهَا أَقْرَبُ الْقَبَائِلِ نَسَبًا عَلَى تَرْتِيبِ الْعَصَبَاتِ، ثُمَّ وَثُمَّ، وَإِذَا ضُمَّ إِلَيْهِمْ أَقْرَبُ الْقَبَائِلِ كَذَلِكَ فَلَمْ تَتَّسِعُ لَا يُؤْخَذُ زِيَادَةً عَمَّا ذُكِرَ مُقَسَّطًا عَلَى السِّنِينَ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِي الْبَاقِي ، قَالَ بَعْضُهُمْ: تُعْتَبَرُ الْمَحَالُ وَالْقُرَى الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ، وَبَعْضُهُمْ قَالُوا: يَجِبُ الْبَاقِي فِي بَيْتِ الْمَالِ، وَبَعْضُهُمْ قَالُوا: يَجِبُ الْبَاقِي فِي مَالِ الْجَانِي، وَوَقَعَ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ : أَنَّهُ إِذَا ضُمَّ إِلَى أَنْصَارِهِ أَبْعَدُ الدَّوَاوِينِ وَلَمْ يَكْفِ؛ يُضَمُّ إِلَيْهِ الْمَحَالُ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ، وَهَذِهِ الْمسألة تَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَهْلَ الْمَحَلَّةِ تَعْقُلُ عَنْ أَهْلِ مَحَلَّةٍ أُخْرَى، وَهَكَذَا ذَكَرَهُ الطَّحَاوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ أَعْنَا لَكَ فِي كِتَابِهِ
خِلَافًا لِمَا ذَكَرَهُ الصَّدْرُ الشَّهِيدُ، وَقَدْ تَقَيَّرَ أَنَّ وُجُوبَ أَصْلِ الدُّيَةِ عِنْدَ عَدَمِ الْعَاقِلَةِ فِي مَالِ الْجَانِي رِوَايَةٌ شَاذَةٌ، وَأَنَّ ضَمَّ مَحَلَّةٍ إِلَى أُخْرَى خِلَافُ الظَّاهِرِ مِنَ الْمَذْهَبِ، وَأَنَّ كَوْنَهَا فِي بَيْتِ الْمَالِ هُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ، وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى، وَكَمَا يَجْرِي ذَلِكَ فِي الْكُلِّ يَجْرِي فِي الْبَعْضِ، فَتَحَرَّرَ أَنَّ الْمَذْهَبَ وُجُوبُ الْبَاقِي فِي بَيْتِ الْمَالِ، عَلَى مَا عَلَيْهِ الْفَتْوَى، لَكِنْ فِي (السَّرَاجِيَّةِ): مَنْ لَيْسَ لَهُ عَشِيرَةٌ وَلَا دِيوَانٌ، فَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى أَنَّهُ يَكُونُ فِي مَالِهِ، وَبِهِ أَخَذَ عِصَامٌ، وَفِي ظَاهِرِ الرَّوَايَةِ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى.
وَفِي (الْمُجْتَبَى) قُلْتُ: وَفِي زَمَانِنَا بِخَوَارِزْمَ لَا يَكُونُ إِلَّا فِي مَالِ الْجَانِي، إِلَّا إِذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ قَرْيَةٍ أَوْ مَحَلَّةٍ يَتَنَاصَرُونَ، لِأَنَّ الْعَشَائِرَ فِيهَا قَدْ فَنَيَتْ، وَرَحْمَةُ التَنَاصُرِ بَيْنَهُمْ قَدْ رُفِعَتْ، وَبَيْتُ الْمَالِ قَدِ انْهَدَمَ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الدَّارِ وَالسَّفِينَةِ أَنَّ السَّفِينَةَ تُنْقَلُ وَتُحَوَّلُ، فَتَكُونُ فِي الْيَدِ حقيقة، فتعتبر فِيهَا الْيَدُ دُونَ الْمِلْكِ، كَمَا فِي الدَّابَّةِ، بِخِلَافِ الدَّارِ فَإِنَّهَا لَا تُنْقَلُ. وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ السِّجْنِ : أَنَّ السِّجْنَ لَا يَخْتَصُّ بِشَخْصٍ، فَكَانَ كَالشَّارِعِ الْأَعْظَمِ وَالْجَامِعِ، وَفِيهِمَا لَا تَتَحَقَّقُ التُهمَةُ فِي حَقِّ الْكُلِّ، فَلَا فَسَامَةَ فِيهِمَا عَلَى أَحَدٍ، والديَة فِي بَيْتِ الْمَالِ لِأَنَّ الْغُرْمَ بِالْغُنْمِ ، وَإِذَا لَمْ تَكُنْ لَهُ عَاقِلَةٌ فَالْأَصَحُ الْمُفْتَى بِهِ: أَنَّهَا في بَيْتِ الْمَالِ، وَالرِّوَايَةُ بِكَوْنِهَا فِي مَالِهِ؛ شَاذَّةٌ مُخَالِفَةٌ لِظَاهِرِ الرَّوَايَةِ، وَإِذَا قُلْنَا بِهَا عَلَيْهِ خَاصَّةٌ بِدَعْوَى الْقَتْلِ الْعَمْدِ؛ فَهِيَ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ أَيْضًا، كَمَا صَرَّحَ بِهِ الزَّيْلَعِيُّ، وَقَدْرُهَا مِنْ الذَّهَبِ أَلْفُ دِينَارٍ، وَمِنَ الْوَرِقِ عَشْرَةُ آلَافٍ دِرْهَم.
وَهَذِهِ الْمَسَائِلُ تَتَحَمَّلُ مُجَلَّدًا، لَكِنْ اقْتَصَرْنَا عَلَى مَا لَابُدَّ مِنْهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.