أجاب: قَدْ فَسَّرَ شَيْخُ شُيُوخِ مَشَايِخِنَا خَاتِمَةُ الْحُفَّاظِ بِالْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ أبو الْفَضْلِ أَحْمَدُ بْنْ عَلِيِّ بْنِ حَجَرٍ فِي (فَتْحِ الْبَارِي)، وَكَذَلِكَ الْعَلَامَةُ الشَّيْخُ أَحْمَدُ ابْنُ مُحَمَّدٍ الْخَطِيبُ العَسْقَلَانِيُّ في (إِرْشَادِ السَّارِي لِشَرْحِ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ) الْاتْبَاعَ بِالْخُلَفَاء وَالْمَوَالِي وَكَذَلِكَ غَيْرِهِمَا، فَظَهَرَ عُمُومُهُ لِلذَّرَارِيِّ وَالتَّابِعِ لَهُمْ مِنْ ذُرِّيَّتِهِمْ وَحْلَفَائِهِمْ وَمَوَالِيهِمْ، وَلَفْظ (إِرْشَادِ السَّارِي) مَمْزُوجًا بِالْحَدِيثِ الشَّرِيفِ: (بَابُ أَتْبَاعِ الْأَنْصَارِ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْفَوْقِيَّةِ ، وَهُمْ حُلَفَاؤُهُمْ وَمَوَالِيهِمْ، وَسَقَطَ لَفْظُ بَابٍ لِأَبِي ذَرٍ. وَبِهِ قَالَ حَدَّثَنَا (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ الْعَبْدِيُّ) مَوْلَاهُمْ بَنْدَارُ الْحَافِظُ قَالَ (حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) قَالَ (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بْنُ الْحَجَّاجِ (عَنْ عَمْرِو) بِفَتْحِ الْعَيْنِ ابْنِ مُرَّةٍ الْجَمَلِي أَحَدِ الْأَعْلَامِ الثَّقَاتِ رُمِيَ بِالْإِرْجَاءِ أَنَّهُ قَالَ (سَمِعْتُ أَبَا حَمْزَةَ) بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالزَّايِ طَلْحَةَ بْنَ يَزِيدٍ مِنَ الزِّيَادَةِ مَوْلَى قَرَطَةِ بْنِ كَعْبِ بِالْقَافِ الْمُعْجَمَةِ الْمَفْتُوحَةِ وَالرَّاءِ وَالظَّاءِ الْمُشَالَةِ (عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمٍ) أَنَّهُ قَالَ (قَالَتِ الْأَنْصَارُ يَا رَسُولَ اللَّهِ لِكُلِّ نَبِيَّ أَتْبَاعٌ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْفَوْقِيَّةِ وَسَقَطَ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ لَفَظُ يَا رَسُولَ اللهِ (وَإِنَّا قَدِ اتَّبَعْنَاكَ) بِوَصْلِ الْهَمْزَةِ وَتَشْدِيدِ الْفَوْقِيَّةِ (فَادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَ أَتْبَاعَنَا مِنَّا) بِقَطْعِ الْهَمَزَةِ وَسُكُونِ الْفَوْقِيَّةِ، فَيُقَالُ لَهُمُ الْأَنْصَارُ لِيَدْخُلُوا فِي الْوَصِيَّةِ مِنَّا بِالْإِحْسَانِ وَغَيْرِهِ (فَدَعَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ (بِهِ) أَيْ: بِالَّذِي سَأَلُوا، فَقَالَ كَمَا فِي الرِّوَايَةِ اللَّاحِقِّةِ اللَّهُمَّ اجْعَلْ أَتْبَاعَهُمْ مِنْهُمْ ، قَالَ عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ (فَنَمَيْتُ) بِتَخْفِيفِ الْمِيمِ أَيْ: نَقَلْتُ ذَلِكَ إِلَى (ابْنِ أَبِي لَيْلَى) عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَنْصَارِيِّ عَالِمِ الْكُوفَةِ (قَالَ) وَلِأَبِي ذَرٍّ فَقَالَ (قَدْ زَعَمَ ذَلِكَ زَيْدٌ) هُوَ ابْنُ أَرْقَمٍ وَبِهِ قَالَ (حَدَّثَنَا آدَمُ) بْنُ إِيَاسٍ قَالَ (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ بْنُ الْحَجَّاجِ قَالَ عمرُو بْنُ مُرَّةَ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ الْمَكِّيُّ قَالَ (سَمِعْتُ أَبَا حَمْزَةَ) بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالزَّايِ (رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ) بِنَصْبٍ رَجُلًا بَيَانُ أَوْ بَدَلٌ مِنْ حَمْزَةَ قَالَ (قَالَتِ الْأَنْصَارُ) يَا رَسُولَ اللهِ (إِنَّ لِكُلِّ قَوْمِ أَتْبَاعًا وَإِنَّا قَدِ اتَّبَعْنَاكَ فَادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَ أَتْبَاعَنَا) قَالَ الطِّيبِيُّ الْفَاءُ تَسْتَدْعِي مَحْذُوفًا: أَيْ: لِكُلِّ نَبِيَّ أَتْبَاعٌ، وَنَحْنُ أَتْبَاعُكَ، فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يَكُونَ أَتْبَاعُنَا أَي حُلَفَاؤُنَا وَمَوَالِينَا (مِنَّا) أَيْ مُتَّصِلِينَ بِنَا مُقْتَفِينَ آثَارَنَا بِإِحْسَانٍ لِيَكُونَ لَهُمْ مَا جُعِلَ لَنَا مِنَ الْعِزِّ وَالشَّرَفِ (قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم اللَّهُمَّ اجْعَلْ أَتْبَاعَهُمْ مِنْهُمْ قَالَ عَمْرُو) أَي ابْنُ مَرَّةَ الرَّاوِي (فَذَكَرْتُهُ لِابْنِ أَبِي لَيْلَى) عَبْدِ الرَّحْمَنِ (قَالَ قَدْ زَعَمَ) أَيْ: قَالَ (ذَاكَ) بِغَيْرِ لَامٍ (زَيْدٌ قَالَ شُعْبَةُ) بْنُ الْحَجَّاجِ (أَظُنُّهُ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمٍ) وَكَأَنَّهُ احْتَمَلَ عِنْدَهُ أَنْ يَكُونَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى أَرَادَ بِقَوْلِهِ قَدْ زَعَمَ ذَلِكَ زَيْدٌ أَيْ: زَيْدُ آخَرُ كَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَظَنَّهُ صَحِيحٌ، فَقَدْ رَوَاهُ أَبُو نُعَيمٍ فِي (الْمُسْتَخْرَجِ) مِنْ طَرِيقِ عَلَيِّ بْنِ الْجَعْدِ جَازِمًا بِهِ، وَفِيهِ التَّنْبِيهُ عَلَى شَرَفِ صُحْبَةِ الْأَخْيَارِ، وَصَحْ (الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ).
وَتَأَمَّلُ تَأْثِيرَ الصُّحْبَةِ فِي كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى فَوَاسِقَ الطَّيْرِ بِالصُّحْبَةِ رُفِعَتْ عَلَى أَيْدِي الْمُلُوكِ، حَتَّى فِي الْحَطَبِ بِصُحْبَةِ الْجَارِ يُعْتَقُ مِنَ النَّارِ، فَعَلَيْكَ بِصُحْبَةِ الْأَخْيَارِ. انتَهَى كَلَامُهُ.
وَلَا رَيْبَ أَنَّ الْأَنْصَارَ وَذَرَارِيهِمْ وَمَوَالِيهِمْ عِتَاقَةٌ وَمُوَالَاةٌ إِلَى الْآنَ، وَكَذَلِكَ فِي أَحْيَاءِ الْعَرَبِ الْعَرَباءِ الْكِرَامِ عَلَى الاسْتِمْرَارِ وَالدَّوَامِ، وَلِلْفُقَهَاءِ وَالْعُلَمَاءِ مُصَنَّفَاتٌ فِي الْفِقْهِ يَقُولُونَ فِيهَا كِتَابُ الْوَلَاءِ وَيَذْكُرُونَ فِيهَا كِتَابَ الْوَلَاءِ، وَيَذْكُرُونَ فِيهِ وَلَاءَ الْعَتَاقَةِ وَوَلَاءَ الْمُوَالَاةِ، فَمَنْ رَامَ أَحْكَامَ ذَلِكَ، فَلِيَرْجِعْ إِلَى كُتُبِ الْفِقْهِ، لَا سِيَّمَا كُتُبِ الْحَنَفِيَّةِ فَإِنَّ فِيهَا الْمُقْنِعَ وَبِدَاخِلِهَا الْمُشْبِعَ.
وَفِي (نِهَايَةِ ابْنِ الْأَثِيرِ) فِي بَيْعَةِ الْأَنْصَارِ وَالْعَقَبَةِ: (بَلِ الدَّمَ الدَّمَ وَالْهَدْمَ الْهَدْمَ)، أَيْ: إِنَّكُمْ تَطْلُبُونَ بِدَمِي وَأَطْلُبُ بِدَمِكُمْ ، وَدَمِي وَدَمُكُمْ شَيْءٌ وَاحِدٌ، وَذُكِرَ فِي حَرْفِ الْهَاءِ وَالدَّالُ فِي بَيْعَةِ الْعَقَبَةِ : بَلِ الدَّمَ الدَّمَ وَالْهَدْمَ الْهَدْمَ، يُرْوَى بِسُكُونِ الدَّالَ وَفَتْحِهَا، فَالْهَدْمُ بِالتَّحْرِيكِ الْقَبرُ يَعْنِي أَنِّي أَقْبرُ حَيْثُ تُقْبَرُونَ، وَقِيلَ هُوَ الْمَنْزِلُ ، أَيْ: مَنْزِلُكُمْ مَنْزِلِي كَحَدِيثٍ آخَرَ الْمَحْيَا مَحْيَاكُمْ وَالْمَمَاتُ مَمَاتُكُمْ ، أَيْ: لا أَفَارِقُكُمْ، وَالْهَدْمُ بِالسُّكُونِ وَالْفَتْحِ أَيْضًا هُوَ إِهْدَارُ دَمِ الْقَتِيلِ، يُقَالُ دِمَاؤُهُمْ بَيْنَهُمْ هَدْمٌ أَي مُهْدَرَةٌ، وَالْمَعْنَى إِنْ طُلِبَ دَمُكُمْ فَقَدْ طُلِبَ دَمِي،
وَإِنْ أُهْدِرَ دَمُكُمْ فَقَدْ أُهْدِرَ دَمِي لِاسْتِحْكَامِ الْأَلْفَةِ بَيْنَنَا، وَهُوَ قَوْلٌ مَعْرُوفٌ لِلْعَرَبِ،
يَقُولُونَ: دَمِي دَمُكَ، وَهَدْمِي هَدْمُكَ، وَذَلِكَ عِنْدَ الْمُعَاهَدَةِ. انتَهَى. [ك/ ] وَالْكَلَامُ يَطُولُ عَلَى هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ لِصُدُورِهِمَا عَنْ بَحْرٍ لَا تُكَدِّرُهُ الدِّلَاءُ، وَلَا يَنْقُصُ بِتَوَارُدِ الرِّوَاءِ، وَلَا يُسَاحَلُ وَلَا يُحَافَلُ اللَّهُمَّ رَشْحَهُ مِنْ مِائِهِ الْعَذْبِ؛ إِذْ مَنْ نَالَهَا لَا يَظْمَأُ قَطُّ، لِاسْتِغْنَائِهِ عَنْ كُلِّ صَبَّ، فَنَسْأَلُ اللَّهَ سُبْحَانَه وَتَعَالَى أَنْ نَكُونَ مِمَّنْ سَبَقَتْ لَهُ السَّعَادَةُ الْأَبَدِيَّةُ وَالسَّيَادَةُ الْأُخْرَوِيَّةُ، إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَبِالْإِجَابَةِ جَدِيرٌ.
يَا أَيُّهَا الْحَسَنُ الْآتِي بِأَسْئِلَةٍ .... تُرَوِّحُ الْقَلْبَ تَقْضِي بِالْمَسَرَّاتِ
أَنْعَشْتَنَا بِلَذِيذِ الْقَوْلِ فَانْشَرَحَتْ .... مِنَّا الصُّدُورُ وَفُزُنَا بِالْمَبَرَّاتِ
فَلَا أَبَرَّ مِنَ الدِّينِ الْقَوِيمِ وَلا .... أَشْهَى لَنَا مِنْ كَلَامِ أَهْلِ الْعِنَايَاتِ
أَزَالَ عَنَّا هُمُومًا لَا عِدَادَ لَهَا .... فِيمَا مَضَى وَعَسَاهُ أَنَّهُ يَاتِي
وَاللهِ مَا الذَّهَبُ الْإِبْرِيزُ مَعَ جُمَلٍ .... مِنَ الْجَوَاهِرِ عِنْدِي كَالْمَثُوبَاتِ
وَافَى السُّؤَالُ وَجِسْمِي كُلُّهُ سَقَمْ .... وَفِيَّ مَا شَاءَهُ رَبُّ السَّمَوَاتِ
مِنْ كُلِّ هَمْ وَضَعْفٍ وَاخْتِلَافِ هَوًى .... فِيهِ الْفَ سَادُ بِمَا فَوْقَ الْعِبَارَاتِ
لَوْلَا الْمَشِيئَةُ فِي الْأَفْعَالِ قَدْ سَبَقَتْ .... لَكَانَ لِلْمَرْءِ مَا يُرْدِيهِ بِالذاتِ
لَكِنْ نُشَاهِدُهَا قَطْعًا بِهَا قُرِنَتْ .... فَخِفَّ عَنَّا به حَمْلَ الْمُشَقَّاتِ
فَيَا إِلَهِي خِتَامَ الْخَيْرِ يَسْأَلُهُ .... عُبَيْدُ عَبْدِ خَيْرِ الدِّينِ فِي الْآتِي
لِنَفْسِهِ وَجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ وَمَنْ .... مِنْهُمْ مَضَى وَكَذَا يَا رَبُّ مَنْ يَاتِي
وَاللهُ أَعْلَم.