استحقاق نصيب الموقوف عليه من الوقف

السؤال
سُئِلَ: فِيمَا إِذَا شَرَطَ الْوَاقِفُ فِي كِتَابِ وَقْفِهِ شُرُوطًا، وَمِنْ جُمْلَةٍ شُرُوطِهِ: أَنَّ مَنْ مَاتَ مِنْ أَوْلَادِ هَذَا الْوَاقِفِ عَنْ غَيْرِ وَلَدٍ وَلَا وَلَدٍ وَلَدٍ وَلَا نَسْلِ وَلَا عَقِبٍ؛ عَادَ ذَلِكَ وَقْفًا شَرْعِيَّا عَلَى مَنْ هُوَ فِي دَرَجَتِهِ وذَوِي طَبَقَتِهِ، يُقَدِّمُ فِي ذَلِكَ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ إِلَى الْمُتَوَفَّى، وَمَاتَتْ وَاحِدَةٌ مِنْ أَوْلَادِ أَوْلَادِ هَذَا الْوَاقِفِ عَنْ غَيْرِ وَلَدٍ وَلَا وَلَدٍ وَلَدٍ، وَلَا نَسْل وَلا عَقِبٍ، وَلَهَا أَوْلَادُ عَمَّ وَابْنُ أُخْتِ مِنْ أَبِيهَا مِنْ أَهْلِ الْوَقْفِ، فَهَلْ يَنتَقِلُ نَصِيبُهَا لِابْنِ أُخْتِهَا؛ لِكَوْنِهِ أَقْرَبَ إِلَيْهَا أَمْ لَا؟
الإجابة

أَجَابَ: يَنتَقِلُ نَصِيبُهَا لِابْنِ أُخْتِهَا مِنْ أَبِيها، الَّذِي هُوَ مِنْ أَهْلِ الْوَقْفِ، حَيْثُ كَانَ الْوَقْفُ عَلَى الْأَوْلَادِ، ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِ الْأَوْلَادِ، ثُمَّ وَثُمَّ، عَلَى أَنَّهُ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ عَنْ وَلَدٍ، أَوْ وَلَدِ وَلَدٍ أَوْ أَسْفَلَ مِنْهُ؛ فَنَصِيبُهُ لَهُ، وَمَنْ مَاتَ مِنْهُمْ لَا عَنْ وَلَدٍ إِلَخْ عَادَ ذَلِكَ عَلَى مَنْ هُوَ فِي دَرَجَتِهِ، وَذَوِي طَبَقَتِهِ، يُقَدَّمُ فِي ذَلِكَ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ إِلَى الْمُتَوَفَّى، وَمِثْلُ هَذِهِ الصُّورَةِ تَقَعُ كَثِيرًا فِي كُتُبِ الْأَوْقَافِ، وَفِيهَا تَعَارُضُ إِذْ قَوْلُهُ: عَادَ ذَلِكَ عَلَى مَنْ هُوَ فِي دَرَجَتِهِ، يَقْتَضِي اعْتِبَارَ الدَّرَجَةِ مُطْلَقًا، سَوَاءٌ كَانَ مِنْ فَخِذِهِ أَمْ لَا.
وَقَوْلُهُ: الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ إِلَى الْمُتَوَفَّى، يَقْتَضِي عَدَمَ اعْتِبَارِهَا وَصَرْفَهَا إِلَى الْأَقْرَبِ إِلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ أَنْزَلَ دَرَجَةً لَكِنْ رَأَيْنَا قَوْلَهُ: الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ إِلَى الْمُتَوَفَّى مُتَأَخِّرًا عَنْ قَوْلِهِ: يُصْرَفُ عَلَى مَنْ كَانَ فِي دَرَجَتِهِ، فَيَنْسَخُهُ، أَوْ نَقُولُ بِتَقْيِيدِ الدَّرَجَةِ بِالْفَخِذِ، وَلَا يَكُونُ نَاسِخًا؛ إِعْمَالًا لِلْكَلَامِ مَهَمَا أَمْكَنَ.
هَذَا، وَقَدْ ذُكِرَ لِي أَنَّ صَاحِبَ الْوَاقِعَةِ يَطْلُبُ نقلا فِي الْمَسْأَلَةِ، وَلَا يَقْتَصِرُ عَلَى مُجَرَّدِ الْجَوَابِ، وَإِنْ كَانَ مُعَلَّلًا لِشِدَّةٍ فِي خَصْمِهِ، فَنَفَرْتُ عَنِ الْمَسْأَلَةِ، فَرَأَيْتُ السُّبْكِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى قَالَ فِي مِثْلِهَا: فَإِذَا تَعَارَضَ هَذَانِ الْأَمْرَانِ، وَتَعَارَضَ مَعْنَى الْأَقْرَبِيَّةِ مَعَ مَعْنَى الدَّرَجَةِ؛ تَقِفُ الْمسألة وَلَا نَجِدُ مُرَجّحًا، فَأَشْكَلَتِ الْمَسْأَلَةُ عَلَيْنَا، فَرَجَعْنَا إِلَى الْمَعْنَى، فَرَأَيْنَا أَنَّ تَقْدِيمَ الْأَقْرَبِ إِلَى الْمَيِّتِ، أَقْرَبُ إِلَى مَقَاصِدِ الْوَاقِفِينَ، وَإِلَى مَقَاصِدِ أَهْلِ الْعُرْفِ مَا لَمْ يَقْصِدِ الْأَقْرَبَ إِلَى الْوَاقِفِ، وَهَاهُنَا لَمْ يَقْصِدِ الْأَقْرَبَ إِلَى الْوَاقِف، فَلِذَلِكَ تَرَجَحَ عِنْدَنَا اسْتِحْقَاقُ هَذَا الْأَقْرَبِ إِلَى الْمُتَوَفَّى، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
لَكِنَّهُ قَدْ وَقَعَ حُكُمْ لِذِي الدَّرَجَةِ مَبْنِيٌّ عَلَى شَهَادَةِ أَنَّهُ هُوَ الْمُسْتَحِقُّ، فَحَكَمَ الْقَاضِي بِمُوجَبِ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُحِيطَ عِلْمُهُ بِمَا ذَكَرْنَاهُ، وَأَنَا مُتَوَقِّفٌ فِي صِحَّةِ هَذَا الْحُكْمِ، فَإِنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى مَا أَرَاهُ لَيْسَتْ بِصَحِيحَةٍ، وَأَيْضًا فَشَهَادَةُ الشُّهُودِ بِالِاسْتِحْقَاقِ في قبولِهَا نَظَر، لأَنَّهُ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ، وَهُمْ إِنَّمَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ بِالْأَسْبَابِ، فَشَهَادَتُهُمْ بِأَنَّهُ فِي الدَّرَجَةِ صَحِيحَةٌ، والاسْتِحْقَاقُ لَيْسَ إِلَيْهِمْ، فَحُكْمُ الْقَاضِي بِمُوجَبٍ مَا شَهِدُوا بِهِ عِنْدِي فِيهِ نَظَر؛ لِكَوْنِهِ لَمْ يَتَأَمَّلْ أَطْرَافَ الْوَاقِعَةِ حَتَّى يَظْهَرَ لَهُ الصَّوَابُ فِيهَا، وَعِنْدِي فِي نَقْضِهِ أَيْضًا نَظَر؛ لأجل الاحْتِمَالِ وَقُرْبِ الْمَآخِذ، وَأَنَّهُ لَوْ نَظَرَ فِي ذَلِكَ وَخَالَفَ مَا قُلْنَاهُ، وَحَكَمَ بِخِلَافِهِ عَنْ عِلْمٍ وَتَرْجِيحٍ، كُنْتُ أَقُولُ: إِنَّ حُكْمَهُ صَحِيحٌ يَمْتَنِعُ نَقْضُهُ، فَهَذَا الَّذِي عِنْدِي فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَرَى فِي هَذِهِ الْوَاقِعَةِ لِأَجْلِ الْحُكْمِ أَنْ يَصْطَلِحُوا إِلَى أَنْ يَنْقَرِضَ الْمَحْكُومُ لَهُ.
وَيُرْجَعُ إِلَى مَا قُلْتُهُ وَيُتَنَبَّهُ لِمِثْلِ ذَلِكَ فِي غَيْرِهِ مِنَ الْأَوْقَافِ، فَإِنَّ مِثْلَهُ يَقَعُ كَثِيرًا فِي كُتُبِ الْأَوْقَافِ، وَلَا يَتَنَبَّهُ النَّاسُ لَهُ، بَلْ يَكْتَفُونَ بِمَا حَصَلَ فِي أَوَّلِ وَهْلَةٍ مِنْ أَنَّ مَنْ مَاتَ؛ انْتَقَلَ نَصِيبُهُ إِلَى وَلَدِهِ، وَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى قَوْلِهِ: ثُمَّ إِلَى وَلَدِ وَلَدِهِ وَنَسْلِهِ، وَأَنَا أَيْضًا مَا كُنْتُ أَنْظُرُ فِي ذَلِكَ إِلَّا فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ، وَهَذِهِ الْأُمُورُ بِحَسَبِ مَا يَقْذِفُهُ اللَّهُ فِي الْقَلْبِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى كَلَامُهُ.
أَقُولُ: وَالْمُصَرَّحُ بِهِ فِي كُتُبِنَا مُتُونَا وَشُرُوحًا وَفَتَاوَى؛ أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ فِي اسْمِ الْقَرَابَةِ إِلَّا ذُو الرَّحِمِ الْمَحْرَمُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، فَلَا يَدْخُلُ ابْنُ الْعَمْ فِي قَوْلِهِ: الْأَقْرَب فالأقرب إِلَى الْمُتَوَفَّى؛ لِأَنَّهُ رَحِمٌ غَيْرُ مَحْرَمٍ، وَابْنُ الْأُخْتِ رَحِمٌ مَحْرَمٌ، فَدَخَلَ فِيهِ، وَيُصْرَفْ إِلَيْهِ بِصَرِيحٍ كَلَامِ الْوَاقِفِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

imam icon

أرسل سؤالك إلى المساعد الذكي

إذا لم تكن الإجابات السابقة مناسبة، يرجى إرسال سؤالك إلى المفتي عبر